ترسم الخطوط الفاصلة في الحياة، وتستريح هناك كقطعة من القلب، تقف على الأرض التي احتضنت ولادتها في أسوار بيت قديم، كانت حينها طفلة معطاءة، تكبر ولا تزال شامخة بكرم خجول لا يعيه المارة، السدرة جزء من ذاكرة المكان، أدت الدور بإخلاص وعندما انتهى العرض وارتحل كل منهم إلى مسكن جديد؛ كانت قد خرجت حينها من دائرة الذكريات، وخلت بنفسها في دهاليز جديدة لا تتقاطع ولا تنتمي، بل تتوحد مع الأرض.

وتتصل جذورها بالسماء، وهذه المرة تقف وحيدة، قد لا تبدو حكاية سدرتنا الواقفة في جميرا على مقربة من الشارع الرئيسي جديدة، ولكنها تحمل على أغصان الذاكرة العديد من المواقف وتسجل لحظات البشر والأرض، بشيء من التأمل وأشياء يتداعى لها الحنين، بينما المباني في تزاحم والمحيط في حضارة متنامية. تروي حكايتها التي جادت بها صدف الأحاديث الدائرة حول علاقة الإنسان والمكان بالذكريات، التي لا يسلم أحد منها في مدينة تقفز نحو العالم بخطوات واسعة، ترويها حمدة جمعة، وتعود بالذاكرة إلى أوائل السبعينات، حيث البيوت القديمة في منطقة الجميرا والتي كان يتقاسم أهلها المساحات الصغيرة لتصبح فوضاءات شاسعة من الفرح والألفة الاجتماعية.وبعد تناول وجبة من النبق «ثمر السدر» في أحد الأيام التي لا تكترث بتفاصيلها حمدة تقول «في أحد الأيام التي أحرص على قضائها مع جدتي موزة بنت علي رحمها الله قمت بجمع عدد من بذور النبق وفي محاولة عبثية زرعتها في أحد الزوايا في بيت جدتي القديم وحرصت على ريّها بشكل يومي، حتى وجدتها تكبر بسرعة وتكتسب قوةً. واليوم أشعر بالوفاء لتلك اللحظات التي ربطتني بالسدرة.

فعمرها يناهز اليوم 35 عاماً». خارج أسوار المنازلأصبحت السدرة ضيفة في منزل قديم ذي مساحة متواضعة تقطنه موزة بنت علي، ويحل فيه عدد من الضيوف المستأجرين الذين يتشاركون الفناء ذاته مع أصحاب المنزل، يبدو أن لا حدود هناك بين الكائنات على اختلافها ما دامت يستمد القوة بعلاقة متفردة.ومنذ نشأتها، اكتفت السدرة بالقليل لتمد جذورها في جسد الأرض ومن تحمل، فهي تتسم بتوغلها وتحملها مختلف الظروف البيئية القاسية، في حين أنها لا تنمو في مناخات تتسم بانخفاض درجات الحرارة، كما أنها تنمو وتزدهر في الأراضي ذات المنسوب المائي المنخفض.

اليوم لا تزال السدرة تستوطن المكان ذاته، ضاربة بجذورها في فروع أخرى في محيطها القريب، ولكن الصورة اتخذت شكلاً آخر بعد تغير ملامحها وانتقال الساكنين إلى بيوت أخرى جديدة في بداية الثمانينات من القرن الماضي بحسب حمدة. حيث بقيت خارج أسوار المنازل القريبة تتكئ على مساحة خالية لا يمر بها سوى بعض السيارات التي تتفيأ ظل السدرة، لا يكاد يدور حديث عن البيوت القديمة دون استحضار سدرة موزة بنت علي، التي جادت بالنبق مطولاً لصغارٍ هم اليوم آباء يسردون حكايات«الفريج» لأبنائهم متباهين بالسدرة التي كانت شاهداً صامتاً على شقاوة تلك الأيام.

عمرها مئات السنين

تقول حمدة عن موسم الإثمار الذي تقاسم محصوله أبناء الفريج «تعارف الأهالي منذ القدم على قول (يقيظ الكنار عندما يتساوى الليل والنهار)». أي عادةً في الربيع، والكنار هو النبق أو ثمار شجرة السدر، وعند البعض تُسمى السدرة بالكنارة، و بصورة علمية فإن نسبة الإنبات في البذور عادةً تصل إلى 30% بينما يتم زراعتها بشكل رئيسي بواسطة العُقل التي تزرع شتاءً.بالرغم من علاقة يتباهى بها السكان بتلك السدرة، إلا أنها لا تجد رعايةً وتدليلاً يليق بصداقة قديمة اعتادت عليها. فبمجرد خروجها من دائرة الأحداث أصبحت لا تحظى بالمسؤولية.

بينما لو اتسع أحد الأسوار لاحتضانها لكانت بالطبع محط اهتمام وعناية، فالأشجار حلقة في سلسلة تحكمها علاقة الأخذ والعطاء، فالسدرة بحسب الأرقام تعيش مئات من السنين، وسدرتنا لا تزال طفلة، وأمامها سنوات من العطاء الذي لن يتحقق دون رعاية. فهي للإصابة بأمراض مختلفة منها بثاقبات الأوراق وذبابة ثمار السدر، فيجب وقايتها منها ومكافحتها عند حدوث الإصابة.

ذكرى عطرة

ارتبطت السدرة التي تنتشر في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام منذ القدم بعلاقة حميمة بالبشر، لفوائدها الطبية العديدة ومكانتها الدينية، حيث ذكرها الله عز وجل في أربعة مواضع من القرآن الكريم، واقترنت سدرة المنتهى التي زارها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج بالجنة كما نهت السنة النبوية عن قطع السدرة شجرة،.

والسدرة لها منزلة كبيرة في الإسلام حيث كرمها الله عز وجل بأن جعل سدرة المنتهى في أعلى مراتب الجنة عند عرش الرحمن و قد قال الرسول محمد عليه الصلاة و السلام في حديث صحيح عن عبدالله بن حبشي «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار»، وفي رواية (لعن الله قالع السدرة).

دواء وعلاج

اقترنت فوائدها بالطب اشعبي لدى الأهالي قديماً، الذين عملوا على استخدام مسحوق أوراقها في علاج البثور والحبوب، والتي أكدها العلم الحديث مؤخراً، كما أن ثمارها عالجت أمراض الصدر والتنفس وحالات الإسهال، وعمدوا قديماً إلى نقعها في الماء واستخدامه لعلاج آلام المفاصل والتهاب الفم واللثة، ودخل السدر في صناعة مواد صحية كالشامبو .

حيث يتم تجفيف الأوراق وطحنها لغسل شعر الرأس وعلاجه من القشرة، وأثبتت البحوث العلمية الحديثة عددا من الفوائد الطبية التي تتضمنها أوراق وأزهار وثمار السدر الذي كان يعتبر أشبه بصيدلية يلجأ إليها الأقدمون لعلاج الكثير من أمراضهم، فأوراق السدر تحتوي علي مواد قلوية تجعل منها علاجا ملائما لكثير من الأمراض الجلدية ومن أهمها مرض الجرب .

حلاوة السدر

لثمارها مذاق ارتبط بحلاوة الطفولة، وساد حرص مستميت آنذاك لالتقاط النبق الذي أضافت فرحة المشاركة حلاوةً لحلاوته، والنبق من أنواع الفواكه الصيفية المحببة إلى قلوب الصغار والكبار والتي عادةً ما تتواجد بكثرة في المزارع.

وحلاوة السدر محط جذب أنظار النحل الذي يتغذى عليها لإنتاج واحد من أجود أنواع العسل المعروف بقيمته الغذائية العالية، لمنافع بيئية وصحية لا بد من جهود فردية وأخرى على عاتق المؤسسات للاعتناء بالكنوز البيئية، وثماره كروية الشكل ذات لون برتقالي يميل إلي الاحمرار وقطرها حوالي 8 مم تقريبا ويكون مذاقها به بعض المرارة البسيطة إلا أنها لذيذة الطعم وفي أحيان أخري تكون حلوة المذاق.

شجرة كثيفة

السدر شجرة كثيفة متساقطة الأوراق و منتشرة ذات جذع متفرع لأفرع، متعرجة لونها بني فاتح يصل ارتفاعها من 2 إلى 4 أمتار تقريباً، أوراقها بيضاوية الشكل صغيرة و لها قشرة سميكة، تكون متقابلةً على الساق و طول النصل ثلاثة سنتيمترات وهي متعرقة بثلاثة عروق من الناحية السفلى ولها شوكتان أذينيتان إحداهما مستقيمة والأخرى منحنية، تتكون الأزهار في ابط الأوراق بعدد يتراوح بين 10 و15 زهرة، والأزهار صغيرة بيضاء مخضرة اللون، والثمار كرزية غضة مرة الطعم، سوداء عند النضج وفيها 3 - 4 بذور.

أمل الفلاسي