كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا عندما انطلقت من مبنى «البيان» مستخدما شارع الإمارات مرورا بشارع مليحة إلى منطقة وادي الحلو التي تبعد عن الشارقة نحو 75 كم، لاستطلاع آراء بعض سكان الشعبية حول المكتبات التي قدمتها مبادرة ثقافة بلا حدود إليهم.
لقد كان الطريق طويلا لم أجد ما يؤنس وحدتي فيها سوى موسيقى الإخوة جبران، فعلى إيقاع نغماتهم كنت أطالع مناظر مناطق مليحة ومحافز والمدام ومهذب وغيرها، وانتقل بين الصحراء والجبل، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي أزور فيها تلك المناطق، وللحقيقة لقد فوجئت بروعة التمازج الصحراوي الجبلي في تلك المنطقة.
وبعد مضي نحو 45 دقيقة على خروجي من دبي، واجهتني يافطة كبيرة مصبوغة باللون الأزرق، وقد كتب عليها «وادي الحلو ترحب بكم»، وقد وضعت بجانب الطريق الذي اخترق الجبل، وما إن انتهيت منه حتى أطلت علي وادي الحلو وقد تربعت على سفح الجبل متوشحة الأبيض لتبدو كعروس في ليلة زفافها.
عائلة واحدة
ما أن تدخل منطقة وادي الحلو حتى تجد مجموعة من المباني الحكومية البيضاء وكذلك المدارس وقد اجتمعت على يمينك، وحتى تصل إلى بيوت الشعبية عليك أن تستقل الجسر المؤدي لها، لتشعر بعد لحظات انك أصبحت فوق الجبل الذي رصفت جوانبه بطريقة رائعة تمنع تساقط الحجارة على الشارع العام.
بيوت الشعبية محدودة العدد، وجميعها اكتسبت ذات اللون والتصميم الذي يوثق لطرق البناء القديمة التي كانت متبعة في الإمارات، وأول ما يواجهك في الشعبية هو المسجد، الذي يجتمع فيه أهالي الشعبية صغيرهم وكبيرهم في كل صلاة، لتشعر أنهم عائلة واحدة لا تفرقهم سوى الأسماء.
عندما صعدت إلى الأعلى كان في استقبالي عضو المجلس الاستشاري، سعيد خلفان سالم المزروعي، والذي بدا مثالا للإماراتي الأصيل، حيث أصر علينا تناول طعام الغداء في مجلسه، حيث كان قد اعد «المالح» الذي يعتبر أحد الأكلات الشعبية الإماراتية، وقد أعد بشكل رائع.بدأ سعيد حديثه معنا عن شعبية وادي الحلو، فقال: «انتقلنا إلى هذه الشعبية قبل تسع سنوات تقريبا، وفي السابق قبل تأسيس المدارس في وادي الحلو كنا نتوجه للدراسة في مدارس المنيعي التابعة لرأس الخيمة،.
وأول مدرسة افتتحت في شعبيتنا كانت عام 1985، وحاليا يوجد لدينا مدرستان ثانويتان واحدة للبنات والأخرى للأولاد، بالإضافة إلى العديد من الدوائر الحكومية ولكن ينقصنا بعض الخدمات في المنطقة مثل البقالات ومحطات البترول وغيرها».
أما عن استقبالهم لمبادرة ثقافة بلا حدود، فيقول سعيد: لقد أثبتت هذه المبادرة وغيرها مدى اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالمناطق البعيدة التابعة لإمارة الشارقة، فقد بدأت هذه المبادرة من مناطق شيص ونحوة ومن ثم وصلت إلينا في وادي الحلو.
حيث زارنا سمو الشيخ عبد الله بن سالم القاسمي، نائب حاكم الشارقة، وأشرف بنفسه على توزيع المكتبات لكل أسرة في الشعبية، وكل مكتبة تضم 50 كتابا منوعا تناسب في موضوعاتها كافة الأعمار الكبيرة والصغيرة، وهي تختلف من بيت لاخر، ويضيف سعيد: لا نستغرب هذه الخطوة على صاحب السمو حاكم الشارقة، فهو احد أكثر المهتمين بنشر العلم والثقافة بين أبنائه، إلى جانب انه دائم الاهتمام بمناطقنا وبفضله وصلت إلينا كافة الدوائر الحكومية، وحاليا هناك مشروع لتشجير الجبال المحيطة بنا.
ويشير سعيد إلى انه على الرغم من محدودية الكتب التي تضمها المكتبة إلا أنها ساهمت كثيرا في تنمية ثقافة أبنائه وشجعتهم على حب المطالعة، واعتبر سعيد أن هذه هي البداية، ودعا الجميع إلى عدم الوقوف عند الكتب التي تضمها هذه المكتبات إنما يعملون على زيادتها وتجديدها من خلال زيارتهم لمعرض الشارقة الدولي للكتاب.
صليل الهواء
كان الوقت ظهرا عندما خرجنا من مجلس سعيد المزروعي، وقد بدت البلدة أكثر هدوءاً في هذا الوقت، لدرجة تكاد معها أن تسمع صليل الهواء، توجهت إلى الجهة الثانية من الشعبية، لمطالعة الوادي لأجده قد ازدان بالمزارع الخضراء وان سيطرت عليها أشجار النخيل، لقد كان المنظر رائعا بحق، فمن ذلك المكان لك أن ترى مناظر الجبال التي تشبه في سمرتها وجه القهوة.
حان الوقت لصلاة العصر، وقبل الإقامة بدأ كبار السن والشباب بالتوارد تباعا إلى المسجد، ومع انتهاء الصلاة أخذ الجميع يسلمون على بعضهم البعض، والصغار يقبلون رؤوس الكبار وعلى رأسهم والي وادي الحلو خميس بن سعيد المزروعي، لقد كانت لحظة جميلة تجلت فيها معاني الألفة بين أهالي البلدة.
بعد الصلاة توجهت إلى مجلس أحمد راشد سالم المزروعي لاستطلاع رأيه حول هذا الموضوع، حيث قال: إنها فكرة ايجابية هدفها تنمية العائلات والأسر، إلى جانب أنها تمثل دعما ماديا ومعنويا لتشجيع أهالي المنطقة على القراءة، خاصة في هذا الوقت الذي تنتشر فيه الانترنت بصورة كبيرة، وأدت إلى تقليل الإقبال على الكتب، وأضاف: بتقديري لقد مثلت هذه المبادرة دعما ليس للأسر فقط وإنما للكتاب والناشرين الذين يبذلون مجهودا كبيرا في إصدارها ونشرها.
ويواصل أحمد الأب لخمسة أبناء: لي خمسة أبناء وهم في مختلف المراحل المدرسية، وقد لاحظت أنهم استفادوا كثيرا من هذه الكتب، وعملت على تنمية ثقافتهم وإكسابهم نوعا جديدا من المعرفة، فالمكتبة تضم عددا من الكتب المختلفة الخاصة بهم. وتوجه احمد بالشكر إلى صاحب السمو حاكم الشارقة على مكرمته هذه، وقال إنها دليل على قربنا من قلبه رغم المسافة البعيدة التي تفصلنا عنه.
ودعا احمد القائمين على المبادرة إلى مساعدة الأسر على تحديث الكتب بين الفترة والأخرى، وتزويدهم بالكتب المترجمة حديثا خاصة تلك التي تصدر عن مشروعي «كلمة» في أبوظبي و«ترجم» في دبي لمساهمتها في إثراء الثقافة العامة، كما دعا الأهالي إلى الاعتماد على أنفسهم في تزويد مكتباتهم بما يلزمها من الكتب الحديثة.
أنس القراءة
ومن جانبه قال علي محمد سيف المزروعي: في البداية أود أن أتوجه بالشكر الجزيل لصاحب السمو حاكم الشارقة على هذه المكرمة التي فعّلت فينا حب المطالعة، وقد اثبت من خلالها حرصه على رفع مستوانا الثقافي والفكري.
وقال علي، وهو أب لستة أولاد، انه استفاد كثيرا وعائلته من الكتب التي ضمتها المكتبة خاصة وإنها تحاكي جميع المستويات والفئات العمرية، ودعا الأهالي إلى الاستفادة من هذه المكتبات وتشجيع أطفالهم على استغلال العطلة الصيفية وأوقات الفراغ في القراءة والمطالعة، وأشار إلى انه أصبح يستأنس كثيرا عندما يرى أطفاله يجالسون الكتب، الأمر الذي بدا يشجعه على تجديد محتويات المكتبة بين الحين والاخر، بحيث يساعده ذلك في تنمية ثقافة أطفاله.
رحلة العودة
مع اقتراب الساعة إلى الخامسة بدأت بلملمة نفسي وتوديع من قابلتهم ومن لم أقابلهم عبر هاتفي المتحرك، تمهيدا للعودة إلى بيتي، فأمامي طريق طويل على أن اقطعه قبل أن تغمض الشمس جفونها، وفي طريق العودة لم أجد معي مرة أخرى سوى الإخوة جبران ليشيعوا جواً من الأنس في سيارتي.
غسان خروب
