يشكل التوازن بين التعليم وسوق العمل ضمانة أساسية في إطار عملية تنمية المجتمع وتطوره، ويمثل نجاح الجهات المعنية في الدولة في تحقيق هذه المعادلة معيارا حقيقيا في قدرتها على انجاز تنمية مستدامة، خاصة وأن مجتمعاتنا العربية تعاني من فوضى التعليم بشكل ملحوظ قياسا بفرص العمل المطروحة في السوق واحتياجات المجتمع من التخصصات المختلفة.

ورغم سعي دولة الإمارات بشكل جاد لتحقيق هذه المعادلة إلا أن الوقت لايزال مبكرا للحكم على نتائج هذه المحاولات، حيث تشير الإحصائيات والأرقام التي تصدر بشكل سنوي عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى أن نسبة البطالة الملحوظة بين حملة الشهادة الجامعية تثير الشكوك حول مناهج التعليم الجامعي ومدى ارتباطها بمخرجات سوق العمل، كما تثير الشكوك حول واقع التعليم الجامعي في الدولة ومدى قدرته على استيعاب مخرجات التعليم والآليات التي يعتمد عليها في عملية التوظيف ومن يتحمل مسؤولية تكدس الخريجين.

البعض ممن استطلعنا آراؤهم حمّل المناهج التعليمية وضعف ارتباطها بسوق العمل المسؤولية كاملة، فيما ذهب فريق آخر للإشارة إلى ضعف بنية المنشآت الإنتاجية عموما لاسيما في القطاع الخاص واستقطابها للعمالة غير المدربة فيما لا يجد الخريجون المؤهلون فرص عمل ملائمة لمؤهلاتهم.

وخرجت في الآونة الأخيرة أصوات تدعو الى ايلاء التعليم المقرون بالتدريب العملي أهمية كبيرة في المؤسسات التعليمية، اذ أصبح التدريب أساس عجلة التطور والسلاح الذي يمنح الخريج المهارات اللازمة للالتحاق بسوق العمل بثقة واقتدار خصوصا أن المجتمع العالمي ككل أصبح يستند الى المعرفة الناجمة عن الثورة التكنولوجية الحديثة بأبعادها المختلفة وبالفعل بدا البعض يحمل لواء التدريب العملي المقرون بالنظري كي لا يتخلف عن الركب ويصبح مهمشاً في عالم لا يؤمن إلا بالعلم كعدة الولوج للعصر الجديد.

اعتبر خالد خليل الشيخلي، دكتور في علم النفس الاجتماعي انه من المهم ان يكون التعليم الجامعي مقترنا باحتياجات سوق العمل، وعلى الجامعة ان تسهم في ذلك من خلال المرشدين والموجهين الأكاديميين الذين يتوجب عليهم تقديم الإرشادات للطلاب خلال عملية الاختيار للتخصص الذي سيتابعون دراستهم فيه.

ورأى الدكتور الشيخلي أنه على الطالب القيام بدراسة شاملة لكل التخصصات قبل ان يشرع بالدراسة الجامعية، مشيرا الى ان توجه الطلاب في السابق لمتابعة دراستهم الجامعية كان في غالبيته نحو التخصصات الإنسانية أكثر مما عليه الآن، ومن أهمها دراسة علم النفس واللغة العربية والتاريخ، وللأسف فإن كثيرا ممن تخرجوا منذ العام 2000 وحتى هذه اللحظة ما زالوا عاطلين عن العمل او يعملون في مجالات لا تمت بصلة لدراستهم.

أهمية الإحصاءات

وأشار الشيخلي إلى أن اغلب التخصصات التي يقبل الشباب على دراستها حاليا تقوم اغلبها على دراسة الحاسوب والتقنيات وإدارة الأعمال، ما يتوجب ان يكون هناك تعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي وباقي الوزارات الأخرى وإجراء إحصاءات كل عام للعدد المطلوب لكل وزارة من التخصصات الجامعية، وكل وزارة حسب احتياجاتها للتخصصات،.

ويتم ذلك عن طريق إنشاء لجنة عليا تعتمد خريجين بتخصصات معينة خلال 5 سنوات على سبيل المثال، الامر الذي يساهم في تحقيق التوازن بين التعليم واحتياجات السوق العمل، مشيرا الى ان هذه اللجنة عبارة عن شراكة بينها وبين القطاع العام والخاص مع الوزارات الاخرى بهدف ايجاد فرص مبنية على أساس سليم وصحيح، حتى لا يبقى الخريجون عاطلين عن العمل.

وقدم الشيخلي نصيحة بهذا الصدد أكد فيها على اهمية ان يقوم الطالب بدراسة سوق العمل واختيار التخصص المناسب في ضوء ذلك والنظر الى قدراته وامكانياته بعيدا عن رغبات الاهل، هذه القدرات التي تشكل ضابطا نفسيا يساعد الطالب على الاختيار الصحيح، كما ان للاهل دورا فعالا في توجيه الابناء الى ما يتطلبه السوق والحياة معا .

وقال الدكتور فريد ابراهيم، أستاذ نظم المعلومات وعلوم الحاسوب بكلية الهندسة في جامعة أبوظبي إنه لا بد من دراسة واقع الحال عن طريق عمل استبيانات ومتابعة الطلبة الخريجين من الجامعات المختلفة والعمل على دراسة خاصة خلال فترة زمنية محدودة للحكم على الخريج بأنه قضى وقتا طويلا عاطلا عن العمل بعد التخرج.

ورأى أن الجامعات عموما تقوم بإجراء دراسة جدوى تتقصى فيها حاجة السوق ورغبات الطلبة والإعداد المتوقع قبولها، وتتابع بعض الجامعات ومنها جامعة أبو ظبي خريجيها عن طريق أقسام متخصصة ترشدهم الى مواقع العمل والشواغر المتوفرة، وأضاف: «ومع ذلك أرى أن تكون هنالك جهات بحث متخصصة تقوم بإجراء المسح الميداني لخريجي جامعات متعددة عبر فترة زمنية معينة للاستدلال على واقع الخريجين والعمل على تطوير المناهج الأكاديمية بما يسهم في مساعدتهم الحصول على فرص عمل أفضل».

أجيال مؤهلة

الدكتور محمد عبد الكريم الشوبكي، أستاذ علم النفس العلاجي أكد أن تخريج أجيال مؤهلة تأهيلا علميا يتناسب مع متطلبات مواقع سوق العمل التي بدأت تطالب بمواصفات خاصة لموظفيها لا يتأتى إلا عبر اعتماد سياسات تعليمية على درجة عالية من الجودة يكون فيها التطبيق العملي رديفا للجانب النظري الذي أدركت أهميته الجامعات الغربية فجعلت الأبحاث والتجارب العلمية والتدريب في مواقع العمل جزءا من متطلبات التخرج التي لا يمكن للطالب أن يتخرج دون إتمامها بنجاح.

مشيرا إلى أن التعليم الجامعي في الوطن العربي قاطبة بدأ يقفز سريعا نحو تجويد أساليبه التعليمية التي يكون التدريب العملي دعامة محورية فيها لافتاً إلى أن بعض الجامعات التي تنبهت لهذه القضية وتداعياتها توزع الطلبة حسب تخصصاتهم الى مواقع تدريب خارجية وداخلية تهيئ الطالب للاستعداد النفسي والمهاري للالتحاق بقطاع العمل مؤكدا أيضا أن الجامعة تعمل على ردم الفجوة التي تفصل بين تخصصات خريجي الجامعة من جهة والمهارات المنشودة منها .

وبالتالي إلغاء ما يسمى بالانقسام الحاصل ما بين التعليم العالي والأداء العملي حيث يجد العديد من الطلبة أنفسهم أمام تحديات مختلفة لا طاقة لهم بها والنتيجة الحتمية لذلك هي الفشل عند أول اختبار حقيقي في عالم العمل.

وقال الشوبكي ان الجامعات ستكون قادرة على تخريج رواد في مجالاتهم اذا تم الاهتمام بمحتوى المناهج الدراسية سواء في المرحلة التي تسبق التعليم الجامعي بحيث تركز على الجانب العملي والتطبيقي وجعله نسقا وسلوكا إلزاميا يمارسه الطالب بعيدا عن العقلية الحفظية التي صبغ عليها الطلبة لاجيال عدة، داعيا إلى المواءمة بين واقع المناهج الدراسية وواقع الحياة التي سيحتك بها الخريج لاحقا.

إيقاع متسارع

وقال جمال المزروعي، الطالب في كلية الهندسة في جامعة الشارقة إن الحاجة ماسة الى التحديث المستمر للبرامج التعليمية لتواكب المستجدات التي تحدث بإيقاع متسارع في العالم خاصة في مجال العلم والمعرفة إلى جانب تشجيع تطوير المعرفة النقدية والإبداعية وإكساب الطلبة المهارات التحليلية في مجالاتهم لان من يمتلك ملكة التحليل تكون قدراته الذهنية عالية جدا وقادرة على الابتكار والإبداع وإعطاء الأفكار والخطط البناءة وهي أسس ينبغي أن يبنى عليها موظف المستقبل المبدع.

وقال إن خلق بنية مستقبلية للاقتصاد الوطني الناجح لا يمكن لها أن ترى النور إلا إذا تم إكساب الطالب المهارات العملية خلال فترة الدراسة باعتبارها أول فرصة حقيقية يقترب فيها من سوق العمل ويبدأ على ضوئها بتكوين توقعاته الأولى استعدادا لمواكبة تحديات ومتطلبات السوق.

كما يبدأ بالتعرف على الأشياء التي تشكل بيئة العمل، مشددا على أهمية التواصل الفعال بين الطالب والهيئة التدريسية ليستفيد من الخبرات المتراكمة لديهم إضافة الى استفادته من البيئة الجامعية التي تساعده على النضوج وامتلاك مفاتيح ومواصفات شخصية تمثل مفاتيح نجاح في الحياة العملية تضاف الى الشهادة الجامعية والخبرة .

وقال غالب الخلايلي، طبيب أطفال إن هناك نظرة خاطئة للعمل بشكل عام، خصوصا اذا ما نظر البعض الى مهنة النجار او البائع او الحرفي نظرة دونية، مؤكدا انه على كل طالب متابعة دراسته في المجال الذي يجد نفسه فيه، وان لا يجبر من قبل الاهل على دراسة تخصص معين يدخل في نطاق رغبتهم هم.

مشيرا الى أن هذا هو السبب الذي أفقدنا الكثير من المهن والحرف المهمة لمجتمعنا، وهذا ما يؤكد أهمية قراءة سوق العمل ليس من طرف الطالب فحسب بل بمشاركة الاهل أيضاً لدعم وتوفير الطرق المناسبة للأبناء بخوض حياتهم العملية بكل يسر بعد التخرج.

واضاف غالب ان للدولة دورا كبيرا في تحديد الخطط المستقبلية للوظائف المطلوبة لكل فترة زمنية، ولاحتياجات البلد لمدة عشر سنوات التي تخدم سوق العمل والوطن لاستمرار الحياة العملية بدون أي معوقات، موضحاً ان بعض الدول تقوم بنظام بما يسمى نظام الفرز ويعتمد على أخصائيين وخبراء لدراسة حالة الطفل لمعرفة ميوله.

وتجهيز مدارس خاصة تفي بهذا الغرض لصقل شخصية الطفل وإعطائه الحق في اختيار موفق وصحيح لأي مهنة تخدمه في المستقبل ما يساعد ذلك مستقبلا على الحد من البطالة، ويتم وذلك من خلال هذه المدارس المتخصصة في المهن والحرف وغيرها بما تتماشى مع سوق العمل ووضع الخطط المستقبلية لهؤلاء الأطفال.

وقال طارق الكعبي، طالب في جامعة العين للعلوم والتكنولوجيا ومتخصص في القانون إن اختياره دراسة القانون قرار صائب كونه جاء بعد دراسة معمقة ومتأنية لوضع سوق العمل ومتطلباته، موضحا:«إن الدولة في حالة تطور مستمر في المجال الاقتصادي والأعمال التجارية، الأمر الذي يحتاج منا الى وقفة جادة ومتمعنة قبل اتخاذ أي قرار بتحديد التخصص الجامعي الذي سيتابع الشاب دراسته فيه، كما ان الشركات والمؤسسات في تزايد مستمر وتظهر كل يوم شركات جديدة منافسة لسابقاتها، وبالتالي فقد توجهت الى دراسة القانون كون سوق العمل يمكنه وبكل سهوله استيعاب مثل هذا التخصص».

وأشار طارق الكعبي الى انه في الوقت الحاضر يعد تخصص القانون مهما بشكل كبير، وسبب ذلك ما يمر به العالم من ازمات اقتصادية وانهيار للشركات الكبرى، ما يجعل المساهمين والمستثمرين بحاجة الى من يسترجع حقوقهم.

عبدالرحمن الوهيبي