تمتلئ شوارعنا بالسيارات التي تحمل بداخلها أناساً جاؤوا من بيئات مختلفة بعاداتها وثقافتها وألوانها وحتى لغتها للعمل في الدولة، ورغم هذه الاختلافات بقي شيء واحد جمعهم على الشارع ألا وهو لغة الطريق وقوانين السير والمرور، التي دأب البعض على انتهاكها لدرجة أنها تحولت إلى عادة لا يكاد يتركها حتى يعود إليها، وكثيرا ما أدت مثل هذه العادات إلى وقوع حوادث مخيفة راح ضحيتها اناس ابرياء.

وبلا شك فإن ما نراه من قيادة عدوانية في الشوارع أدت بالإدارة العامة للمرور بدبي إلى اتخاذ إجراءات كثيرة هدفها ردع السائقين المتهورين في قيادتهم، وتقليل الحوادث الناجمة عن هذه القيادة. ولتحقيق ذلك أطلقت العديد من الحملات المرورية التي تهدف الى رفع مستوى الوعي لدى السائقين، وزيادة عدد الرادارات في الشوارع الداخلية والخارجية، وكذلك نشر دوريات الشرطة المرورية في جميع الشوارع لمساهمة وجودها في ضبط القيادة على الشوارع.

عن القيادة العدوانية وأضرارها على سلامة مستخدمي الطرق يقول اللواء محمد سيف الزفين، مدير الإدارة العامة للمرور في شرطة دبي: ان القيادة العدوانية مصطلح واسع وهو يحتوي على مخالفات عدة، وبالنسبة لنا نصنف كل ما من شأنه أن يؤدي إلى حادث تحت إطار القيادة العدوانية، وهي اسلوب تصرف مقصود يدل على عدم الاكتراث بسلامة وراحة الآخرين، وقد يكون دافعها هو قلة الصبر والانزعاج أو الرغبة في تحدي الآخرين وغيرها، ونحن نلاحظ وجودها على الشوارع من خلال بعض التصرفات مثل القيادة بطيش وتهور، وعدم الالتزام بخط السير، والتجاوز من كتف الطريق، وعدم ترك مسافة كافية بين المركبات وغيرها، والتي تشير في مجملها الى عدم الاكتراث بالمركبات الأخرى على الشارع.

أسباب غير محددة

وحول أسباب هذه القيادة قال الزفين: لا أرى لها أسباباً محددة، وإنما اعتبرها نوعا من القيادة المتهورة من قبل سائقين لا يكترثون بالآخرين ولا بقوانين السير والمرور.

وحول أبعاد وتأثيرات هذه القيادة على الآخرين والحلول لها، قال الزفين: بلا شك ان لها عوامل وتأثيرات نفسية على الآخرين، حيث يمكن ان تسبب الخوف لدى بعض السائقين وقد توقعه في مشكلة أو حادث مروري بمجرد انتقاله من مسرب إلى آخر، خاصة في الشوارع الخارجية ذات السرعات العالية، وأحيانا كثيرة قد تؤدي هذه القيادة الى استفزاز مشاعر الآخرين وتجبرهم على القيام بتصرفات لا تتناسب مع بيئة الشارع، وأشار الى انه يجب في مثل هذه الحالات عدم معالجة الخطأ بخطأ أكبر، ويجب التحلي بالصبر والالتزام بالقواعد المرورية مهما كانت حالة الشارع في تلك اللحظة، ومهما كانت الحالة التي يعيشها السائق.

جرعات ضبط الشوارع

ويضيف الزفين: بالنسبة لنا نحن قمنا برفع جرعات الضبط على الشوارع من خلال تفعيل النقاط المرورية ورفع قيمة المخالفات، وتكثيف الدوريات المرورية في الشوارع، وزيادة عدد الرادارات بواقع رادار لكل كيلو ونصف، وحاليا تم استحداث رادار جديد هو «رادار غن» المتحرك الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، والتي تمكننا صورها من تحديد نوعية قيادة السائق، بالإضافة الى حملات التوعية المرورية التي تنفذها الإدارات العامة للمرور في الدولة.

وبالطبع جميع ذلك أدى الى نتيجة جيدة على الشوارع التي أصبحت أكثر انضباطا من ذي قبل، وأدت الى الحد من القيادة العدوانية على الشارع بحيث لم تعد نسبة هذه الفئة تتجاوز 10% من مجمل مستخدمي الشوارع، وتابع: لقد تمكنا بفضل الله من خلال جميع هذه الإجراءات من تخفيض نسبة الحوادث والوفيات على الشوارع، ففي العام الماضي كانت الوفيات في دبي 60, 17 لكل 100 الف نسمة، وذلك بحسب المؤشر العالمي، وبلا شك اننا نطمح الى تقليل هذه النسبة مستقبلا ونتوقع ان تصل مع نهاية العام الحالى الى 15، ولدينا خطة خمسية لتقليل هذه النسبة، الى جانب ان لدينا هدفا بالوصول الى 1000 رادار مع نهاية العام الجاري، حيث وجدنا انها لعبت دورا مهما في تقليل السرعة التي تعتبر المسبب الأول للحوادث.

تصرفات غير لائقة

في المقابل استطلعنا آراء بعض مستخدمي الشوارع، الذين رفضوا هذه النوعية من القيادة على الشوارع، حيث قال اسماعيل الشافعي، مدير مؤسسة سيتي سكيب للنقليات: «بحكم وظيفتي وعملي فأنا أمضي جل وقتي على الشارع، وهذا بالطبع يفرض علي التحلي بالصبر والمرونة وعدم القيادة بتهور، حيث بت أتوقع اي شيء في الشارع نتيجة لما أراه من تجاوزات وتصرفات غير لائقة من بعض السائقين خاصة في أوقات الازدحام، حيث يحاول كل واحد منهم تفادي الازدحام اما بالانتقال بين المسارات، أو تجاوز المركبات الاخرى من خلال كتف الطريق، وقد صادفت الكثير من الحوادث المرورية بسبب هذه التجاوزات».

ويضيف: «بالنسبة لي أحاول دائما تحذير سائقي السيارات التي امتلكها من ارتكاب المخالفات، فعدا عن الحوادث المحتملة التي قد يقع فيها السائق، فهي سترهق كاهلي بما سأدفعه للمرور نتيجة لتهور احد السائقين وقيادته بسرعة عالية، ولو فكر كل سائق من هؤلاء بتبعات قيادته العدوانية، لأصبحت شوارعنا خالية من الازدحام والحوادث».

أما حميد حسينو (موظف) فقال: «أرى الكثير من هذه التصرفات على الشارع، وقد لا يمر يوما لا أتعرض فيه لمضايقة من أحد السائقين سواء باستخدام الضوء العالي، أو عدم ترك مسافة كافية بيني وبينه، أو الدخول أمامي بدون سابق إنذار، وكانت هذه التصرفات ستؤدي بي للوقوع في حادث، ونتيجة لذلك تعلمت الابتعاد قدر الإمكان عن السيارة التي اشعر بأن سائقها يقود بسرعة جنونية، أو يود أخذ مكاني في المسرب، وهذا ليس خوفا منه وإنما للمحافظة على سلامتي، لأن وقوع الحادث لا يحتاج لأكثر من ثوان، وحينها سنندم على ما وقع».

ويواصل: «أعجبت بفكرة زيادة الرادارات على الشوارع ورفع قيمة المخالفات عليها، فهي تساهم بصورة كبيرة في الحد من وقوع الحوادث الناجمة عن السرعة العالية، واعرف الكثير من السائقين الذين أجبرتهم هذه الرادارات على التزام بالسرعات المحددة للشارع».

ومن جانبه، يقول اياد نعيم (موظف): «بتقديري أن القيادة على مختلف شوارع الدولة أصبحت أفضل الآن مقارنة مع ما قبل، وذلك نتيجة لقانون المخالفات الجديد وتفعيل النقاط المرورية، فقد عملت هذه جميعا على الحد من السرعات العالية والتجاوزات الخاطئة التي قد تؤدي الى وقوع حوادث مرورية، وبحكم متابعتي لما يحدث في الشوارع فقد لاحظت انخفاض عدد الحوادث بصورة ملحوظة نتيجة لجهود شرطة المرور في كافة امارات الدولة، ففي السابق كان غريبا ان يمر يوما علينا دون سماع خبر وقوع حادث مروري كبير، ولكن اليوم اصبح الامر نادرا، ولكن برغم ذلك ما زال هناك فئة قليلة من السائقين تقود بعدوانية على الشوارع، وهذه واضحة من خلال سرعاتها العالية أو ارتكابها للمخالفات المرورية المختلفة، وبتقديري أن هذه الفئة تحديدا لا تنفع معها اساليب الردع او المخالفات انما تحتاج الى تأهيل نفسي، بحيث يدركون ان هناك آخرين يستخدمون الشوارع ويجب مراعاتهم».

تجنب مسار اليسار

وبدوره قال فهد الشامسي: بالنسبة لي أحاول دائما الابتعاد عن مسرب اليسار وذلك بسبب قيادة بعض السائقين التي قد تستفزني كثيرا، خاصة اولئك الذين يبدأون باستخدام الضوء العالي من مسافة بعيدة قبل وصولهم الى المركبة الأمامية، وفي حالة عدم انصياع السائق لهم تجده يقترب منه بصورة خطيرة جدا، وبذلك سيجبره على الافساح من طريقه.

وقد ادت هذه الطريقة الى وقوع الكثير من الحوادث لأن السائق ينتقل الى المسرب الثاني دون اخذ كافة احتياطات السلامة، ومن ملامح القيادة العدوانية التي تصادفني على الطريق تجاوز كتف الطريق، والانتقال من مسرب لآخر بسرعة عالية ودون مراعاة شعور الآخرين، الامر الذي قد يفاجئ البعض اثناء قيادته للسيارة وقد يؤدي الى ارباكه والوقوع في الخطأ، ويتابع الشامسي: بلا شك ان تكثيف الحملات المرورية وانتشار الدوريات المرورية على الشوارع سيؤدي الى ضبط هذه الفئة بشكل أو بأخر، واتمنى ان أرى شوارعنا خالية من هذه الفئة.

تأثيرات نفسية

يرى الدكتور محمد وفيق عيد، أخصائي الطب النفسي في مستشفى ميد كير بدبي أن للقيادة العدوانية تأثيرات نفسية كبيرة على سائقي السيارات، وقد تؤدي إلى استفزاز البعض وبالتالي ارتكابهم لتصرفات قد تكون منافية للأخلاق اما بالكلمات او حتى بالاشارات النابية.

وقال: للاسف ما زالت جميع المناهج المدرسية والجامعية في كافة دولنا العربية تفتقر الى مادة التربية المرورية والتي تشمل قواعد ونظم المرور، التي نبدأ بتعلمها عندما نفكر في الحصول على رخصة القيادة، وكثير منا لا يخطر بباله تعلمها قبل ذلك، وقد سبقتنا الدول الغربية في هذه المجال بمراحل، فأول من تحدث في هذا الموضوع هو البروفيسور ليون جيمس، من جامعة هاواي، وهو اول من قام وطلابه بدراسة مشكلات المرور التي نواجهها في الشوارع، واستطاع من خلالها ان يضع اول منهج علمي اطلق عليه «سيكولوحية المرور» وكان ذلك عام 1980، لتبدأ الدول الغربية بعد ذلك بتطبيق قواعده على شوارعها.

علما بأن هذه القواعد قد سبق لنا نحن العرب امتلاكها وذلك من خلال حث رسولنا الكريم لنا على ضرورة اعطاء الطريق حقه بغض البصر وكف الاذى. ويضيف: ونتيجة لعدم تربيتنا على القواعد الصحيحة لاستعمال الطريق فقد اعتدنا على إلقاء اللوم على ردة الفعل وتجاهل الفعل نفسه والذي عادة يؤدي بالسائق الى ارتكاب المخالفات او الحوادث، ويصيبه بالانفعال والعصبية، ولنا ان نتخيل كم الوقت الذي يضيع نتيجة لهذه التصرفات، وأكد د.

عيد أن الفروق الفردية بين سائق وآخر في مهارة القيادة، وكذلك ارتكاب بعض السائقين لخطأ ما رغم مهارته في القيادة، أو انشغال السائق عن الطريق بأشياء أخرى تشتت تركيزه مثل الموسيقى والهاتف المتحرك وغيرها حيث تعتبر من ابرز الأسباب التي تخلق القيادة العدوانية لدى بعض السائقين.

وقال د. عيد ان السبيل للخروج من هذه المعضلة هو تفعي ل مادة التربية المرورية في المناهج التعليمية، والقيام بحملات توعوية لكافة الجنسيات المقيمة على ارض الدولة توضح آداب الطريق وضرورة الالتزام بها، ودعا السائقين الى ضرورة التحلي بالصبر وكظم الغيظ الذي يمكن ان نمرن أنفسنا عليه خاصة في حالات الازدحام، والاستماع الى نصائح الآخرين في حالة وجودهم في ذات المركبة، والنظر إلى الآخرين بنظرة صداقة وحب لتأثيرها في تقليل حجم الغضب لدى السائق.

غسان خروب