يحق لنا أن نعجب ونتساءل كيف يمكن لهؤلاء المزارعين في المنطقة الوسطى النجاح إلى هذا الحد في مهنة الزراعة إجمالاً، وخاصة زراعة النخيل وجني التمور على الرغم من المشاكل التي تعترض طريقهم ويتصدون لها.

فهم يسعون ويضاعفون الجهد لابتكار الطريقة تلو الأخرى ليثبتوا أنهم قادرون على تذليل الصعاب وتحمل حرارة الشمس وشهور العناء والتعب ويثبتوا إخلاصهم وانتماءهم لهذه النخلة رغم المشاكل الكثيرة. حيث إن نقص المياه وغلاء أسعار المبيدات وعدم توفرها أحيانا، بالإضافة إلى قلة آلات الحرث، كي تصبح تلك الثمرة التي تنتجها النخلة التي كانت ولا تزال المصدر الغذائي المهم في السابق والحاضر من أفضل التمور على المستوى العالم والوطن العربي هي الأبرز بين ما يواجهونه يوميا في سبيل ذلك.

حول واقع هؤلاء المزارعين ومعاناتهم، كانت هناك «البيان» لرصدها ونقلها بأمانة إلى من يهمه الأمر فالتقينا بعدد من مزارعي المنطقة الوسطى.يقول حمد خليفة سالم الكعبي، عضو سابق في المجلس الاستشاري في الشارقة وصاحب مزرعتين في المنطقة إن الزراعة لا تزال بحاجة إلى عناية خاصة مثل توفير المعدات والآلات والبذور وتمهيد الأرض الصالحة، بالإضافة إلى توعية وإرشاد المزارعين بماهية الأشياء التي قد تصلح للزراعة أو التي لا تصلح. كما أن مراقبة الآفات التي تصيب النخيل والمزروعات المختلفة والقضاء عليها قبل فوات الأوان تقف على رأس الأولويات بالنسبة للمزارعين. وأشار الكعبي إلى أن هناك فئة من الشباب قادرة ومعنية بشكل جدي في المحافظة الإنتاج من مهنة الزراعة.

ولكن قلة أماكن التسويق وانفراد بعض الشركات بتحديد مصير وأسعار الإنتاج من ناحية، ونوعية التمور التي يتوجب على المزارع تصديرها للشركة والحكم عليها بمنحها درجة ممتاز أو جيد جداً أو وسط والذي عادة ما ترى الشركة أن كل ما يصدر لها من تمور من قبل المزارعين يعتبر من نوع الوسط ما يثير حفيظة المزارعين ويثبط من عزيمتهم لاستكمال الموسم الذي يليه، وبالتالي يكون هذا الأمر معرقلا لعملهم، ويرون في هذا العمل مضيعة للوقت بالنسبة لهم ما يضطر البعض منهم إلى هجران مهنة الزراعة.

إهمال واضح

ورأى حمد الكعبي أن «إهدار الوقت وعدم الاكتراث ليس في صالحنا»، لافتا إلى أنه لوحظ في الآونة الأخيرة إهمال واضح من المهندسين المشرفين على المزارع وعدم الالتزام بالجولات الميدانية على المزارع كما المتوقع، مشيراً إلى أن هناك جوانب أخرى لا يمتلكون إزاءها فعل أي شيء وتفوت عليهم فرصة النجاح في حماية البيئة الزراعية.

فالمبيدات والري والبذور والخيام البلاستيكية مهمة لإنجاح مشروع مزارع النخيل، وان لم تتوفر بأسعار رمزية لهم من قبل وزارة البيئة والمياه وتوفيرها بشكل سريع فلن يكون نجاح لهذا المشروع القائم على أكتاف المزارعين وعرقهم.

ولا شك أن الوزارة وفرت الإمكانيات والمواد، ولكن لم تفِ بالغرض المطلوب لهذا الكم الكبير من المزارع، وقد تصل إلى أناس على علاقة وطيدة مع المسؤولين ولا تعطي لمستحقيها بالطريقة الصحيحة.

وأكد الكعبي على مسألة إهدار الوقت في أشياء لا قيمة لها فان الحياة سوف تولي سريعا دون أي فائدة تذكر، وخصوصا في وقت جني المحصول الزراعي وتصدير المحصول إلى الشركة التي ستتولى شراء التمور، فقيمة الشراء لا تفي قيمة البذور والري وأجرة الأيدي العاملة في المزرعة مما يعطي ذريعة للمزارعين التنحي عن الدور العظيم الذي يقومون في زراعة النخيل وحماية البيئة الزراعية وفي النهاية انقراض المزارع والمزارعين.

وموسم تسليم التمور يتم من خلال رسائل ترسلها شركة الفوعة للمزارعين وخصوصا رسائل التوعية منها والتي بدورها تقوم بتوجيه المزارعين وإرشادهم إلى الطرق الصحية للري، بالإضافة إلى طريقة حماية الثمرة من الغبار الناتج105 من سوء الأحوال الجوية وهو السبب الرئيسي في تشويه منظر التمور وبالتالي لا يستفاد من المحصول إلا للأعلاف الحيوانية ويدمر شقاء وتعب المزارعين.

السوسة الحمراء

وأكد مصبح الكعبي، صاحب مزرعة قائلا إن من المشاكل التي تواجه المزارعين وخصوصا شجر النخيل هي السوسة الحمراء، فالأمر في السابق كان مجرد هرمون لقاح تقوم السوسة بالتهامه وتموت داخل النخلة.

الأمر الذي يجلب باقي السوس من حولها ومن ثم يبقى الحال كما هو عليه لا نتيجة، ولكن كما نعلم الآن أن الكلاب البوليسية أثبتت قدرتها على تحديد مكان السوسة قبل نخرها للنخيل ومن ثم القضاء عليها. وأوضح الكعبي أن المياه المالحة والمتكلسة من أهم المشاكل التي تواجه المزارعين، ما يتسبب بتدمير مضخات المياه وتعطيلها عن العمل، الأمر الذي يجبرهم على شراء مضخات جديدة بأسعار باهظة.

مشيرا الى أنه في العديد من حالات ملوحة الماء قد لا يؤثر على النخيل، فطبيعة النخيل قوية تتحمل ولكنها تؤثر على التربة وعلى عملية الإنتاج فالثمرة لا تتحمل ملوحة المياه ما يجعلها صغيرة الحجم ومشوهة، وبالتالي تنخفض القيمة الشرائية لها وهو الأمر الذي يضر المزارعين، والفلي من أكثر المناطق التي يكثر تكلس المياه فيها، ومن الضرورة توجيه المزارعين على كيفية التعامل مع المياه المتكلسة لاستمرار العطاء .

وأكد أنه على المسؤولين ومن يهمهم الأمر إعادة النظر في مسألة دعم المواطنين وتشجيعهم على الزراعة لتكون ذخرا في المستقبل من غدر الزمن والعمل على إقامة مشاريع تخدم الوطن وخاصة بحماية البيئة الزراعية منها والحيوانية.

واعتبر الكعبي أن عملية الري هي السبب الرئيسي بعد قلة الأمطار في شح المياه، وخصوصا إذا ما استخدمت عمليات الري بالطرق غير الصحيحة وخصوصا من قبل الآسيويين المستأجرين للمزارع الذين يعمدون الى غمر المزرعة بالمياه وقد تترك 24 ساعة دون أدنى اكتراث منهم ولذلك يجب أن يكون هناك دور للمراقبين في هذا الشأن بالتعاون مع البلديات من خلال توزيع شبكات ري بأسعار رمزية مخفضة.

وتعتبر شبكات الري الحديث اقتصادية داخل المزرعة يتم من خلالها عملية الري بالتنقيط وكانت مدعومة من قبل الوزارة في السابق، وهي من العوامل المساعدة على استمرار المزارع في أداء وظيفته على أكمل وجه.

محمد موسى: وزارة البيئة حريصة على تنمية الثروات الزراعية

قال المهندس محمد موسى عبدالله مدير المنطقة الوسطى في وزارة البيئة والمياه لـ «البيان» في إطار رده على الأسئلة الموجهة له حول واقع المنطقة واحتياجات مزارعيها ودور الوزارة في تلبية هذه الاحتياجات ومواجهة العقبات التي تعترضهم: «إن قيم الوزارة بنيت على المشاركة والتعاون والشفافية والمصداقية والمبادرة والريادة والجودة والتميز، إضافة إلى انجاز دراسات مستمرة على ارض الواقع للتعرف على احتياجات المزارعين والمتعاملين الذي يقف هو على رأس الأولويات».

وفيما يتعلق بأهداف الوزارة، قال المهندس موسى إنها تقوم على حماية وتطوير النظم البيئية، وتنمية واستدامة الموارد المائية، وكذلك تنمية واستدامة الثروات الزراعية والحيوانية والسمكية، بالإضافة الى تنمية الموارد البشرية والارتقاء بقدراتها، مشيراً الى ان الحصول على مراكز متميزة في مجال الريادة بتطبيق المعايير العالمية وأفضل الممارسات يمثل أحد أهم الأهداف للوزارة.

وأضاف ان من أهداف الوزارة أيضا تعزيز الأمن البيئي في الدولة للحد من تلوث التربة وتلوث الهواء والمياه والحد من التصحر وحماية التنوع البيولوجي، و تطبيق الإدارة المتكاملة للحد من استنزاف المياه الجوفية والطلب عليها وترشيد استخدامها وتنمية المصادر البديلة بالتنسيق مع الشركاء، بالإضافة الى رفع معدلات الأمن الحيوي لضمان سلامة الدولة من المخاطر البيولوجية الناجمة عن الأوبئة والأمراض التي تصيب الحيوانات والطيور وخاصة المشترك منها بين الإنسان والحيوان.

وأشار الى الارتقاء بالفكر والوعي البيئي وترسيخه وتعميق البحوث والدراسات للوصول إلى أفضل مستويات التنمية المستدامة للثروات الطبيعية وتنمية مصادر الثروات المائية الحية، وتنظيم أنشطة الصيد، وتحقيق الأمن الغذائي في الدولة بتطبيق مبادئ الأداء الاقتصادي المتوازن في الإنتاج النباتي والحيواني الضروري للاستهلاك المحلي و تطوير واستكمال البناء القانوني والإداري والفني للوزارة بما فيها أنظمة التفتيش والرقابة وتأهيل وتمكين وتحفيز الموارد البشرية العاملة في الوزارة وفق أفضل الممارسات العالمية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمتعاملين وتحقيق التمييز المؤسسي.

وأوضح المهندس موسى أن وزارة البيئة والمياه تضم أربعة مناطق وإدارات رئيسية موزعة على مستوى الدولة وهي إدارات المناطق الشرقية والوسطى والشمالية والمنطقة الغربية، لافتا الى أن إدارة المنطقة الوسطى مقرها مدينة الذيد بإمارة الشارقة وتضم مراكز زراعية وحيوانية وعيادات بيطرية.

وتعتبر أكبر نطاق إشرافي للوزارة في الإمارات الشمالية بالدولة ويتم من خلالها تقديم الخدمات المختلفة للمزارعين ومربي الحيوانات والصيادين، موضحاً أن عدد المزارع في المنطقة يبلغ 6764 مزرعة تتوزع على المراكز الزراعية التي تشرف عليها المنطقة متمثلة في مراكزالذيد والعوير وفلج المعلا ومليحة ومصفوت وكدرا والمنيعي، بالإضافة لمكتب عجمان وعيادة أم القيوين البيطرية.

كادر فني

وقال إن هناك كادراً فنياً في المنطقة يقوم بزيارات إرشادية إلى المزارع ويعملون على توجيه المزارعين لاتباع الأساليب الحديثة في الزراعة والري والعمل على الحد من الإصابات الحشرية والأمراض بالطرق الآمنة، مضيفا أن الكوادر البيطرية في المنطقة بالتعاون مع مربي الحيوانات وفي إطار البرامج الوقائية بتطعيم الحيوانات حسب البرامج المعتمدة وتقديم العلاج اللازم لها، لافتاً الى قيام المنطقة بعدد من الحملات الخاصة بتطعيم الحيوانات وفحصها وتقديمها للعلاج المناسب شملت هذه الحملات مجموعة كبيرة من المزارع.

واضاف موسى ان الخدمات المقدمة من الوزارة للمزارعين تشمل ايضا صرف مستلزمات الإنتاج كالأسمدة والبيوت المحمية والتوسع في نشر الزراعة المائية (الهيدروبونيك) لدى حقول المزارعين للحد من استهلاك الماء والكيماويات الضارة وإنتاج منتجات آمنة صحيا. وكذلك العمل على التوسع في زراعة الأعلاف المحلية المتحملة للجفاف والملوحة المرتفعة وتركيب شبكات ري للأعلاف المحلية وإصدار تراخيص مزاولة المهنة للأنشطة الزراعية لشركات القطاع الخاص، بالاضافة الى إصدار الشهادات الموجهة (زراعية/بيطرية) لمن يهمه الأمر للجهات المختلفة بالدولة حسب طلب المزارعين والمربين وإصدار الشهادات الصحية لمنتجي الأعلاف ومربي الحيوان بغرض تصديرها لدول أخرى.

وفيما يخص جهود الوزارة بمكافحة سوسة النخيل الحمراء، قال مدير المنطقة الوسطى إن الوزارة تبذل جهوداً كبيرة لمكافحة هذه الحشرة وللسيطرة على وضع الحشرات الاقتصادية بشكل عام وقدمت كل ما يلزم من إرشادات وتدريب للمزارعين على تركيب المصائد الفرمونية والكرمونية للقضاء على سوسة النخيل، مؤكدا ان الوزارة ستقوم قريبا بحملة وطنية لمكافحة سوسة النخيل الحمراء في الدولة، حيث تعمل على توفير مستلزمات الحملة من فرمونات وكرمونات ومصائد ضوئية للمزارعين.

وأضاف أنه من ضمن إستراتيجية الوزارة المحافظة على بيئة نظيفة خالية من التلوث لذلك تقوم بحث المزارعين على استخدام المبيدات الآمنة بيئيا والتوسع في المكافحة الحيوية دون الإضرار بالأعداء الطبيعيين للحشرات والتركيز على استخدام مواد العزل المختلفة للحد من الإصابة بالحشرات وتشجيع الزراعة المائية والعضوية.

تسويق الإنتاج

وفيما يخص عملية تسويق إنتاج المزارعين من التمور، قال مدير المنطقة الوسطى إن المناطق الزراعية المختلفة شهدت تطوراً ملموساً في انتشار زراعة نخيل الأنسجة من الأصناف الممتازة خلال الفترة الماضية حيث يستمر العطاء وتسويق تمور المزارعين ما أدى لتوسعة المساحات المزروعة بالنخيل وانتقاء الأصناف الممتازة حيث يتم التنسيق بين الوزارة وشركة الفوعة لتذليل جميع العقبات التي تواجه مزارعي المنطقة، ويتم كذلك إرشادهم للطرق المثلى لعمليات ما بعد الجني لضمان حصولهم على عائد مجزي،مشيراً الى أنه وفي العام الماضي الذي يعتبر موسم التسويق الحادي عشر على التوالي بلغت الكميات المسوقة لمزارعي المنطقة الوسطى (3942) طنا تقريباً بقيمة إجمالية بلغت 3,25 مليون درهم تقريباً، فيما بلغ عدد المزارعين المسوقين (792) مزارعاً .

عبدالرحمن الوهيبي