بات مشهداً مألوفاً أن تقفز كرة القدم من ساحات الملاعب إلى ميادين الأدب، أو السياسة، ففي حالة الأدب وعلاقته بكرة القدم هناك محاولات دؤوبة لإثبات أن كلاً منهما لا يشكلان ظاهرتين غير متوافقتين، لا بل إن الصلة بينهما تبعث على الدهشة في أحايين كثيرة، فهناك العديد من الكتاب والأدباء حول العالم الذي تناولوا هذه اللعبة العالمية وخصصوا لها مؤلفات كاملة، ووصل الأمر بأحدهم وهو النمساوي ستيفان غريبل، إلى حد اختيار اسم مستعار له هو فرانزبول انطلاقاً من نتيجة مباراة لكرة القدم فازت فيها فرنسا بهدفين مقابل صفر على بلجيكا.
ولقد نشر هذا الكاتب عملين أدبيين البطولة فيهما لكرة القدم، كما تناول الكاتب البولوني ريزارد كابوسينسكي ذلك الشغف الذي توقظه كرة القدم في كتاب تحت عنوان «حرب كرة القدم وتحقيقات أخرى» يروي فيه مجريات حرب كرة القدم بين هندوراس والسلفادور التي اندلعت عام 1969 وتطورت إلى حرب حقيقية، بعد مرور أربعة عقود على تلك الحرب الضروس، التي خلفت آلاف الضحايا، تعود هندوراس إلى واجهة الأحداث تحت عباءة السياسة هذه المرة، وذلك إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح، أخيراً، برئيس البلاد مانويل زيلايا.
ومن الملاحظ أن هذا الانقلاب لا يعكس تناقضات في توجهات سياسية فحسب، بل يعكس أيضاً مدى عمق الانقسام الفكري بين تيارين متصارعين وثقافتين مختلفتين تجتاح بلدان أميركا الجنوبية، ثقافة تريد العودة بالبلاد والعباد إلى زمن جمهوريات الموز، وأخرى تريد الانعتاق من نير الشركات الاحتكارية، التي طالما امتصت دماء شعوب تلك المنطقة من العالم.
لذلك كان من الطبيعي، أن يهدي الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز كتاب «شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة» إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما ليذكره بتوق شعوب أميركا اللاتينية إلى الانعتاق من سيطرة المركز الامبريالي.
لا ندري إن كان أوباما قد قرأ هذا الكتاب أم لا حتى هذه اللحظة، لكن إن كان قد فعل، فمن المؤكد أن اسم مؤلف الكتاب إدواردو غاليانو قد لفت انتباهه وربما استثار فضول الرئيس، وألقى نظرة أعمق على مؤلفاته، وعرج على كتاب له يتناول فيه ولع الناس في بلده أوروغواي وبلدان أميركا اللاتينية والعالم بكرة القدم، تحت عنوان «كرة القدم في الشمس والظل».
في هذا الكتاب يستعرض غاليانو ذاكرة وواقع كرة القدم من خلال تسليط الضوء على تاريخ هذه الرياضة وأهم العناصر المؤثرة فيها، حارس المرمى، اللاعب، المشجع، المتعصب، الهدف، الحكم، المدير الفني، المسرح.
فضلاً عن أهم مباريات كأس العالم منذ سنة 1938 وحتى مونديال 1994 محاولاً من خلال سرده تناول أهم الأهداف التي تم تسجيلها في هذه المباريات وعلى أهم اللاعبين الذين برزوا في تلك الحقبة من الزمن ولقبوا بأسياد الكرة أمثال بيليه، ومارادونا، وبلاتيني، وغوليت، وشيلتون، وتشارلتون، حيث يؤكد غاليانو أن كرة القدم هي مرآة للعالم، وهي تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة فيها المجد والاستقلال والحب والبؤس والخيبة والشجاعة.
كتاب غاليانو هذا، من شأنه أن يلفت انتباه العالم، إلى وجود الكثير من القواسم المشتركة التي تجمع بين الناس ولا سيما الرياضة والأدب، وتدفعهم إلى مزيد من التكاتف والتضامن، عوضاً عن خوض صراعات وحروب لا طائل منها.
إعداد- باسل أبو حمدة

