شخصية مختلفة، لا يمكن أن تجد لها شبيها في وقتنا هذا، يمكننا أن نلقبها بالمرأة الحديدية لقوة شخصيتها، وصلابتها واعتمادها على النفس، بل.. ولاعتدادها بنفسها، فما كان يضيرها أن تقوم بأعباء الحياة وحيدة، وبساق خشبية.
في منتصف العقد السادس، قصيرة القامة حنطية يميل لونها إلى السمرة، وسيمة الملامح، تساند رجلها الوحيدة بأخرى خشبية، لا تشاهد خارج بيتها إلا (بالكندورة وفوقها ثوب دمعة فريد*) ومن فوق ذلك لفت جسدها وسترته بشيلة ندوة سوداء طويلة وسميكة، غطت بجزء منها البرقع على وجهها. إنها مميزة حتى في طريقة لبسها، لا تنقطع عن جيرانها، فلم تمنعها الإعاقة من أداء الواجب وزيارة الجميع، والتواصل معهم.
كانت الخيمة يقابلها عريش أزيل أحد أضلاعه الأربعة، فاتخذت منه مجلسا تتسامر فيه مع جاراتها كلما قدمن لزيارتها، وبالقرب منه كوة صغيرة هي بمثابة المطبخ، هناك جلست وقد وضعت على جمر ( الكوار*) قرصا من الدقيق، ودون أن تشعر بنا دخلت أنا وصويحباتي متسللات من ردفة الباب، الذي ربطت مزلاجه بحبل طرفه في الخارج، لتسهل على الزائرين الدخول دونما حاجة إلى أن يفتحه أحد من الداخل، و (تنسل*) الحبل إذا أوت إلى فراشها ليلا، لكنها لمحتنا وسمعتنا ونحن نهمس لبعضنا: ترى ماذا تصنع؟ قالت: (روحتن*) القرص، (يلسن*)
حتى (ينضى*) نشير بأيدينا ونضحك واضعات أيادينا الصغيرة على أفواهنا، فقد كانت هناك آثار حركتها في أرجاء البيت، وهي تنتقل من مكان إلى آخر ساحبة بقية رجلها المفقودة على الأرض ومعتمدة على الأخرى. كنا صغارا لم نكن نقدر هذا العناء الذي نجده في التنقل والحركة، ولم نكن نعلم أن هذه المرأة عصامية اعتمدت كل تلك السنين على نفسها، تدير شؤونها بنفسها ودونما عون، لم تعتمد على أحد في طهي طعامها أوغسل ملابسها القليلة العدد، أو حتى في كنس ذلك الفناء التي لا تستطيع أمرأة شابة بكامل قواها الجسدية أن تنافسها، وأن تجعل فناء بيتها كهذا الفناء النظيف والمريح، تستطيع أن ترقد على تلك الرملة الشاطئية الباردة وأنت في مأمن من الاتساخ أو التلوث البيئي!
كان أمامها وعاء (لجن تنك*) تناولت القرص من على النار (بالمهباش*) ووضعته في الوعاء، وأضافت إليه قليلا من السمن ثم السكر، وأخذت تفركه بين راحتيها وبأطراف أصابعها، ونحن نبلل شفاهنا باللعاب الذي سال شوقا إلى التهامه قالت مازحة بغبطة: (هذا قرص مبثوث، باكله روحي وما بعطيكن منه) مدت (مريوم) يدها في (اللجن) ضربتها بطرف (المشب*) قالت: (يا الطفسة.. ما تصبرين*).
أكلت جزءا يسيرا وأعطت كل منا في يدها ( لقمة معفوصة*).
ما ألذ ما طعمنا، أكاد أشعر بمذاقه وأنا أستعيد ذكريات مضى عليها عشرات من السنين.
شاع في الحي يوما: أن لصا يدهن جسمه بزيت ويدخل البيوت ليلا، لا يستطيع أحد الإمساك به، كل أهل الحي احترزوا وجهزوا (قباناً وعصي) وهي لم تعر بالا لما يقال؛ لكن عددا من الجارات تبرعن ( دون أن تطلب هي ) أن ينمن معها، وبعد صلاة المغرب كان هناك مجلس للسمر ينعقد في فناء بيتها، وقهقهات النساء تتخطى حدود ذلك البيت إلى ما ورائه، ضحكن كثيرا حين حكت لهن عن ليلة عرسها قالت: أدخلتني (المعقصة* ) وعدد من النساء على زوجي ليلة ( الزفية* ) وانتهزت انشغال المعقصة والنساء، فربطت ذيل ثوبي بذيل ثوب المعقصة، وعندما أرادت الخروج لم تستطع، قالت احداهن: (واشحقه عاده*) قالت: خفت من (الريال*)(وبغيتا اتم عندي*) قالت أخرى مازحة: (بريول وحدة واتسوين جذه، لو فيج ريلين جان سويتي المناجر*).
وعندما هممن بالعودة إلى بيوتهن أمرتهن أن يطوين الحصر ويغطونها (بالشوادر*) ويصفّن (نعول الريايل*) أمام الخيمة وعند العريش.
بعد سنين كبرنا فيها، وكبر معنا البيت الصغير، وقد بنت العجوز مكان الخيمة بيتا من الطابوق وجعلت له درجا يصعد إلى سطحه، حمت أطرافه (بوارش*) مزخرف، كانت تصعد إليه بمساعدة الرجل الخشبية، وتبيت هناك في أوقات الحر، حرصت العجوز أن يكون لها بيت من الاسمنت والطابوق كجيرانها. وللطابوق معها حكاية قصتها علينا: كنت في مثل عمركن، وشقية، وكان لشقاوتي حديث بين الناس، كثيرا ما أتسلق الجدران، لكن واحدا منها لم يحتمل شقاوتي ولم يصمد لقفزاتي عليه فانهار ووقع علي، وعندما سحبوني من تحته، كنت فاقدة الوعي، كان جزء مني قد التحم بحصاه المرجاني التليد، حين أفقت من الغيبوبة وعيت على ساق واحدة، جريت عليها كل تلك السنين والى اليوم.
كان بيتها صغيرا منسقا، خططت لبنائه بنفسها بمبالغ يسيرة، كان يرسلها ابنها المغترب بين الحين والآخر.
تحدثت عنه كثيرا، علقت صورة جميلة له في إحدى الحجرات التي بنتها، شوقتنا ونحن في عمر الصبا إلى أن نلقاه، تركها وحيدة تتقدم في العمر وهي بإعاقة جسدية، اعتمدت على رباطة جأشها وصبرها على تحمل الشدائد، كنا وصويحباتي الأكثر شغفا في الحي بأحاديث كانت تروى عن ذلك الابن الغائب، بل كنا نتحين الفرص لنقرأ رسائله إليها، وحين قيل لنا أن ( فلانا) عاد انطلقنا مسرعات نستطلع الأمر، ونرى رأي العين هذا الذي كانت أمه تتغنى باسمه وصفاته في سمرها وحكاياها، وإذا برجل صبغ الشيب كل شعرة في رأسه ووجهه، وأجهدت سني الكد والغربة قسماته وجسده، فما كان من كل تلك المدائح التي قيلت فيه إلا نفسا متواضعة محبة بارة بهذه الأم الصابرة، فأحببناه كما أحببناها وأعجبنا بها.
سليمى ـ دبي
* الكندورة: زي نسائي فضفاض، دمعة فريد: نوع من القماش قديما، الكوار: موقد معدني بالفحم، تنسل: تسحب
* روحتن: شممتن، يلسن: اجلسن، ينضى: ينضج، لجن تنك: وعاء عميق من المعدن الملون ذو زخارف، المهباش: ملقط من المعدن، المعقصة: مزينة تضفر شعر العرائس، المشب: مروحة يدوية مستديرة من خوص النخل تستخدم للتهوية وتبريد الساخن. الزفية: ليلة الزفاف، الطفسة: من الطفاسة والعجلة لالتهام الطعام، اشحقة عاده: تعني لم ذلك، الريال: الرجل، بغيتها اتم عندي: أردتها ان تبقى معي، بريول وتسوين جذه لو بريولين بتسوين المناجر: عبارة تعجب، الشوادر: الشراشف، نعول الريايل: نعل أو أحذية الرجال، وارش: سور يعلو أسطح البيوت بأحجار مفرغة ذات أشكال هندسية