لحظات الفرح الهادئ أجمل أرض تُزرع بالحديث عن التجارب المؤثرة، كان اللقاء بالدكتورة رفيعة غباش بعد انقضاء فترة ترؤسها لجامعة الخليج العربي في البحرين شريطاً مصوراً يستحضر بفرح وتحدٍ أهم محطات تلك التجربة التي أغنت مسيرتها في حقل التعليم.

وحفلت بإنجازات مضيئة وضعت الجامعة على خارطة التعليم العربية عبر أحداث عدة، كان أهمها افتتاح مركز الأميرة الجوهرة لعلوم الوراثة والاكتشاف العلمي الذي صاحبه وطرح المزيد من البرامج التعليمية وتحقيق خطوات نحو الاستقلال المادي الذي تراجع إلى 30% من ميزانية الجامعة بينما الدعم الذاتي بلغ 70%، هنا كواليس الإنجازات وأسرار الفرح وأهم ما يشغل الدكتورة رفيعة غباش بعد تلك التجربة. نبدأ من تجربة رئاسة جامعة الخليج العربي.. حدثينا عن كواليسها ومراحل اختيارك لشغل المنصب؟

عندما جاء دور دولة الإمارات في رئاسة الجامعة قام معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التعليم العالي بترشيحي لترؤس جامعة الخليج العربي، واليوم أدرك أن هذا الترشيح بُني على معطيات قديمة، فقد أنهيت الدكتوراه في عام 1992 وعدت إلى جامعة الإمارات للدراسة بصفة معيدة والبدايات كلها تشير لطبيعة العمل الذي رُشحت له، وعندما رُشحت كان وقتها مضى عامان على تعييني عميدة لكلية الطب بجامعة الإمارات، وأعترف أن هذه التجربة هي التي أثرت في انتقالي بعد لترؤس جامعة الخليج العربي حيث استفدت منها كثيراً، كما أن تجربة العمل مع الشيخ نهيان كان لها أثر جلي فكنت أعمل على تأمل أسلوبه في الإدارة، وكنت أرقب كيفية اتخاذه للقرارات أتفق معه أحيانا، وأعمل على تفسيره عندما يستعصي علي الأمر.

كما أن كوني طبيبة وأهم كليات الجامعة في البحرين هي كلية الطب أمر ساهم في ترشيحي، وخلال المرحلة الانتقالية التي امتدت لستة أشهر كان علي أن أبذل مجهوداً مضاعفاً لاسيما وأني وقتها كنت عميدة كلية الطب بجامعة الإمارات، إلى جانب التزامات أخرى كانت تشغل جل وقتي، وقررت حينها الإيفاء بالتزامات الراهنة وإكمال المهمة بنجاح.

سيكولوجية التغيير

هل وجد هنا الطب النفسي طريقه إلى الإدارة؟

هذا يؤكد سيكولوجية التغيير باعتباري طبيبة نفسية حاولت عدم فرض شيء جديد، لإيماني بكونه يُتقبل بالمقاومة، فكنت أتدرج في التغيير، فكان أولاً ما تعيه العين وما تسمعه الأذن ثم ما يدركه العقل، فكانت مرحلة يهمني اليوم تقييم أسلوب إدارتي خلالها، فهي اجتهادات حاولت خلالها تغيير أسلوب الإدارة، لاسيما ما يتعلق بالقيم الأكاديمية وأعود لأؤكد أن خبرتي في جامعة الإمارات أثرت هذا الجانب، في ظل درايتنا بأخلاقيات العمل وإلمامنا بتفاصيلها، ما شكل لي نقطة قوة حملتها خلال تجربتي في البحرين.

الأمر الثاني الذي استفدت منه، تمثل في خبرتي بالمجتمع المدني والمؤسسات التي انخرطت للعمل فيها منذ البدايات كجمعية الأطباء والنهضة النسائية والطفل جميعها عملت على تكوين ثروة في مناهج مختلفة من العمل، والجزء الآخر تمثل في تفرد المناهج التي لم تكن مطروقة من قبل مؤسسات تعليمية أخرى مثل إدارة التقنية والتقنية الحيوية والإدارة البيئية، عندها آمنت بضرورة التسويق لجامعة تمتلك ثروة لم يُسوق لها بالطريقة المُثلى، كما كان لابد من طرح برامج للدكتوراه، إلى جانب طرح برامج ماجستير جديدة، باستثناء برنامجين تم إضافتهما في الأربع سنوات الأخيرة قبل رئاستي للجامعة، وبدأنا عندها بوضع تصور لبرامج جديدة عبر اللقاءات البينية بين برنامج وآخر، على سبيل المثال تم وضع برنامج يجمع إدارة التقنية والبيئة هو برامج الإدارة البيئية.

وكيف تمكنت من تحقيق رؤيتك فيما يتعلق بالبرامج؟

بالإضافة إلى ماسبق، تم دراسة احتياجات المنطقة، لاسيما في ظل ما يسمى التعلم عن بُعد، عملنا بالاشتراك مع مؤسسات تعليمية فرنسية وأخرى بريطانية على استحداث برنامج جديد حول كيفية تأهيل الأفراد على عملية التعليم عن بُعد.

مؤخراً وعلى المستوى الأكاديمي بعد زيارات متبادلة مع عدد من الجامعات لاحظنا تركيزهم على طرح برامج الإدارة التنفيذية، سيما وأن اقتصاد المنطقة يتجه نحو تأسيس المزيد من الشركات والبنوك ما يتطلب ضخ المزيد من المديرين التنفيذيين، وبالتنسيق مع الحكومة الفرنسية تم افتتاح المعهد العربي الفرنسي للإدارة الحكومية، ومن هذا المنطلق فإني أرفض فكرة فرض الآراء بل أؤمن بضرورة أن تتكون قناعات لدى الأشخاص حتى يتبنوا الفكرة، كما أؤكد على أهمية السعي لاستقطاب مؤسسات تعليمية كبرى وبناء شراكات مع مختلف الجهات المجتمعية.

بعد لملة الأوراق والعودة، ما أجمل شيء تتذكرينه اليوم؟

هناك محطات فرح حقيقي، أما العلاقات الإنسانية التي خرجت بها من تلك التجربة فكانت الأجمل بإنسانيتها وتنوعها وحميميتها، ولولاها لكان خروجي من البحرين أمراً مرهقاً، أُحطت بعلاقات متميزة بطبيعة أصحابها وبساطة مشاعرهم، والتي شكلت ذاكرتي التي أستحضرها طوال الوقت، واللقاءات الأخيرة بالرغم من كونها أقيمت لتوديعي، ولكنها اتخذت طابع الفرح والاحتفاء بالإنجازات الإنسانية والأكاديمية.

وذلك يعيدني إلى محطات أخرى تستدعي البهجة عند استحضارها، أهمها افتتاح مركز الأميرة جوهرة للطب الجزيئي وعلوم الوراثة وحضور شخصيات نسائية قيادية وحشد من العالمات المختصات بأمراض الوراثة والطب الجزيئي.

زيارة الشيخ محمد بن راشد للجامعة في يوبيلها الفضي، كيف كان وقعها وماذا ترتب عليها؟

كانت من المحطات المهمة في تجربتي، سعيت لها بقوة وجاءت ببساطة، وفكرة استضافة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ولدت عندما قررنا الاحتفال بمرور 25 عاماً على مؤسسة علمية خليجية، وكان من الأجدر التفكير في استضافة شخصية تُمثل روح الوحدة والتعاون والتنمية التي يتحلى بها سموه، حيث التقيت بسموه في أحد المنتديات التعليمية بالدولة وطرحت عليه رغبتنا بحضوره الحفل وتلقى الرغبة بسعادة وقبول، وحمل يوم زيارته حكاية فرح كبير، فزيارة سموه وضعت الجامعة على الخريطة العلمية العربية، ما ترتب عليه زيادة عدد الملتحقين بالجامعة في العام التالي.

برأيك ما الأسباب؟

الحديث عن ذلك يطول، ولعله أمر في التنشئة، وفي طرق التعليم -التي تحتاج إلى موضوعية شديدة في الطرح والتناول- بينما المرأة أكثر جدية من الرجل في تعاطيها مع الواقع.

وما الخلل في واقع التعليم؟

أعتقد أن مشاكل التعليم التي تتداولها وسائل الإعلام غير حقيقية، ما يتم الحديث عنه بصورة يومية في الدولة لا يشير إلى مشكلة حقيقية، فهم يتناولون المناهج والتوطين واللغة الإنجليزية وتهميش بعض الشرائح، بينما تلك إفرازات لواقع معين لم يتم معالجته بصورة صحيحة، كأن تعطي حقناً خاطئة لمرض مختلف.

من خلال مشوارك الأكاديمي الحافل، هل يفرض سوق العمل نوعاً معيناً من التخصصات، أم المؤسسات التعليمية هي المؤشر لنوعية الوظائف المطلوبة؟

نشر مؤخراً أن الفلسفة القائلة بأن سوق العمل يفرض التخصصات خاطئة، وإلى حد ما قصيرة المدى ولا تعكس رؤية أصحاب القرار في موضوع التعليم، وبلا شك أن العمل يحتاج إلى تخصص معين، ولكن لا يجب رفعه شعاراً، فبيئة التعليم يجب أن تحظى بالانفتاح والعمق، فيتمكن الطالب من دراسة ما يود ولا ضير من التوجيه والإرشاد بما يحتاجه المجتمع والفرد، وبعض الجامعات استحدثت طريقة معينة في التدريس اتسمت بالسطحية بحيث تخدم نوع محدد من الوظائف، وذلك يحرم الطالب من غزارة المعرفة، وقضية طرح البرامج التعليمية بناءً على سوق العمل أمراً غير دقيق فالقوى العاملة الإماراتية تشكل 10% من السوق هل يعقل أن يوجه التعليم بأكمله بناءً على متطلبات سوق العمل؟ والنظر إلى تجارب الدول الآسيوية المتقدمة توضح أن سبب التقدم يعود إلى فتح التعليم بجميع قنواته الممولة.

العقل لا يفرق بين رجل وامرأة

بطبيعتي لا أدقق في البحث عن المرأة، لقناعتي بأن العقل لا يفرق بين رجل وامرأة، ولكن ما يستوجب الحديث عنه هو المفارقة التي يواجهها البعض عن دخوله للدولة عبر مطاراتها، فالمرأة تعمل هناك لتسهيل إجراءات القادمين، بينما دول عديدة أخرى لا تحظى بهذا العمل، وتواجدها في الصف الأول ندرك أنها متواجدة في مختلف المواقع، وباعتقادي بعد ما حظيت به المرأة اليوم لم يعُد الحديث مجدياً، فهي تجاوزت الوقت في ترسيخ وجودها العملي والعلمي، بالنسبة لي لدي قلق على الشباب هذه الأيام، وبالرغم من وجودهم فهم لا يتمتعون بذات كفاءة المرأة، والقدرة على التواصل والحديث.

البحرين .. 6 أشهر من التأمل والتعرف على الكادر التعليمي

تقول د. غباش: عندما انتقلت للبحرين، كانت التجربة جديدة شرعت خلال الأشهر الستة الأولى في التأمل والقيام بمهام لا تدخل في عمق العملية التربوية وذلك رغبةً مني بالتعرف على البيئة هناك، وطبيعتها وتوقعات المحيطين بي وتوقعاتي كذلك، فكانت مسألة موفقة فلو كنت اتخذت حينها قرارات جوهرية لكانت قوبلت بالرفض وسعيت كذلك لأن يتلمس المحيطون بي طبيعة الشخص الوافد إليهم، والمجتمع هناك بطبيعته متآلف جداً، إلى جانب تنوع الجنسيات والثقافات إلى جانب البحرينيين، وبدأت حينها وأمضيت وقتاً كافياً بالتعرف إلى الكادر التعليمي والإداري والبرامج والكليات، وعملت على إحداث تغيير يعزز بعض الهوايات لدي وحاولت تغيير البيئة من جانب يبُث الفرح في نفوس العاملين والدارسين، وعملنا برفقة الفريق خلال فترة وجيزة لم تتجاوز الستة أشهر على إحداث تغيير إيجابي في المبنى الجامعي، وكان ذلك عملاً تدريجياً، فتم استبدال كل ما هو بلاستيك وألمنيوم وزجاج، بقطع أخرى أكثر جمالاً مستمدة من الطبيعة كالأخشاب والرخام، بالإضافة إلى أن ذلك التغيير عمل على تنفيذه قسم الصيانة بالجامعة خلال فترة الصيف وتم وضع تصوره وتنفيذه.

أمل الفلاسي