هل يمكن لقضية شعب أن تختزل في رسم كاريكاتيري؟ لو لم يولد ناجي العلي، لو أن تجربته الفنية الملتزمة لم تر النور، لو أن رصاصة غادرة لم تخترق جسده النحيل، لكانت الإجابة بالنفي قطعا، لكن ما حدث نقيض كل هذه الافتراضات الخاطئة وغيرها الكثير، ومرد تلك الإجابة النافية تشي به مسيرة يصعب تكرارها، لأنها لا تستمد فرادتها من تضافر عناصر من النادر أن تجتمع في لحظة تاريخية واحدة في شخص واحد، الولادة، القضية، الموهبة وصولا إلى الموت نفسه أو القتل على وجه أدق في مشهد يحيلنا إلى نهر جارف من المعطيات المترادفة بلا انقطاع والمتماسكة بطريقة عصية على التصديق. دفق مسيرة فنية بقامة ناجي العلي لا يتوقف عن التدافع حتى بعد رحيل صاحبها، أجيال تتناقل كنوزه الفنية، معارض لا تحصى، أبحاث ودراسات ومقالات لا حدود لها، كتب ومجلدات جاء الكتاب الذي أصدره نجله خالد، مؤخراً، ليشكل حلقة في سلسلة ذلك الدفق الذي لا يزال قادراً على إدهاش الناس آخذا بأيديهم حتى يتسنى لهم الوقوف على حقيقة ما جرى ويجري لشعب اعتصرته متتالية من النكبات.

جاء الإصدار الأخير تحت عنوان «ناجي العلي.. كاريكاتير 1985 - 1987» ويقع في 206 صفحة ويضم مجموعة مختارة من أعمال الفنان الشهير التي رسمها أثناء فترة إقامته في لندن، ما بين وصوله في أكتوبر 1985 ولحظة اغتياله في 22 يوليو 1987. حول هاذين الرسمين، يقول خالد ناجي العلي إن «جميع رسوم ناجي العلي تحمل قيمة خاصة، ولكن للرسمين المنشورين على الصفحتين 195 و196 قيمة استثنائية فهما آخر إبداعاته التي كان يحملها أثناء توجهه إلى عمله يوم اغتياله المشؤوم».

في تلك اللحظة، لحظة الاغتيال، كان يحمل تحت إبطه تلك اللوحتين اللتين كانتا في طريقهما إلى النشر، ويتضمنهما الكتاب الجديد، في الرسم الأول يظهر شخص يقول: «إن قلت أنا من جماعة عرفات بدهم يقتلوني وان قلت أنا مش من جماعة عرفات برضه بدهم يقتلوني... ممكن انفد بجلدي إن انكرت أني فلسطيني... فشروا!!».

أما الرسم الثاني فيظهر شخصا أصيب بطلق في صدره وقد كتب عليه «الحسن اخو الحسين»، في إشارة إلى سبطي الرسول الذين قتلتهما السلطة الأموية،في استعادة لمشهد القتل الذي زلزل الأمة الإسلامية منذ 14 قرنا وما زال احد أكثر المشاهد إيلاما في تاريخها.

وما يسترعي الفضول هو استمرارية قدرة رسومات العلي ليس على التعبير عن اللحظة السياسية التي ولدت فيها فحسب، وإنما عن الكثير إن لم نقل عن غالبية الأحداث والوقائع المستجدة في الزمن الراهن، صحيح أن الفضل في ذلك يعود في جزء كبير منه إلى ضآلة التغييرات في المنطقة، إلا أن الفضل الأكبر يعود إلى موهبة ناجي وقدرته على التقاط كل ما هو جوهري في شريط المفاصل والمحطات الكبرى التي مر ت بها الشعوب العربية بصفة عامة والشعب الفلسطيني بصفة خاصة.

لذلك كله ولأسباب كثيرة غيرها، فإن الجهد الذي بذله نجله خالد في «ناجي العلي، 1985-1987) لا يندرج ،بالمرة، في إطار إحياء ذكرى أو تكريم راحل أو استعادة تراث شعب، بل إنه يصب مباشرة في إطار العمل والجهد الكفاحيين اليوميين نصرة لقضية عادلة، جهد فكري يحفر في وعي أجيال عطشى لإجابات على أسئلة مفتوحة منذ أمد طويل، أجوبة تاهت ماهيتها بين تأرجح أقلام مأجورة هنا وريش ملوثة هناك.

ما يدفع بكتاب مثل كتاب ناجي العلي الجديد إلى الواجهة بلا نزاع عندما يتعلق الأمر بالحقيقة والمصداقية والكشف عن المستور والمتستر عليه.

باسل أبو حمدة