يقف المرء عاجزاً مهما أوتي من كلمات أمام وصف تلك اللحظة التي تبذل فيها مسعفة جل جهدها لتنقذ حياة شخص أثخنته جراح الحوادث، ففيها تدرك إلى أي مدى يمكن أن يتسع قلبها بالرحمة والحنان، رغم ما تتركه مثل هذه المشاهد من ألم قد لا يتحمله جزء كبير منا، لتبدو قلوبهن وقد اجتثت منها علامات الخوف والرهبة.

ومع كل مشهد إنساني ترى فيه المسعفات، تدرك إصرارهن الغريب على العمل والعطاء رغم ما يعتري أجسادهن من تعب وإنهاك، فما أن تغمض أعينهن حتى تستفيق على طنين أجهزتهن ليتحركن بأسرع وقت ممكن للوصول إلى مكان الحادث، أملاً في إنقاذ من يحتاجهم. لقد تمكنت المسعفات المواطنات من إثبات وجودهن في هذا المضمار الذي اقتصر لعقود على الرجال فقط، ليسجلن بتجاربهن سطورا جميلة تفتح لهن باب الدعاء ممن أنقذن حياتهم من الموت، وقد فضلنا نحن أن نقترب ممن قبلن التحدي لخوض غمار هذه المهنة بكل ما فيها من مشاهد محزنة، لنسلط الضوء على تجاربهن وعلى ما تختزنه ذاكرتهن من أحداث وتجارب. حكايتنا بدأت مع المسعفة ذهب سالم بو مهير، من مركز خدمات الإسعاف بدبي، والتي قالت عن أسباب اختيارها للإسعاف: «اختياري لهذه المهنة كان بهدف كسر الروتين الذي يخلقه العمل في المختبرات التي اخترتها في بداية مشواري التعليمي.

ولكن ما لبثت أن عدلت عنها لصالح الإسعاف، لما فيه من متغيرات عديدة تساعدني على توسيع معرفتي وخبرتي». وتشير إلى أنها لم تواجه معارضة من أهلها الذين دأبوا على سؤالها عن الحالات التي تواجهها في عملها اليومي. وتواصل: «أنا حاليا في فصلي الدراسي الأخير، وخلال دراستي اعمل أسبوعيا لمدة يومين في المركز، أما في الصيف انضم إلى المركز للعمل فيه لمدة شهر.

خبرة في التعامل

خلال سنواتها الأربع خاضت ذهب العديد من التجارب التي أكسبتها خبرة في التعامل مع الحوادث ونقل المرضى، وعن ابرز المشاهدات التي واجهتها، تروي لنا: «هناك العديد من الحوادث البارزة التي شاركت في إنقاذ من فيها، ولعل حادث المشاجرة الذي وقع بين عدد من الشباب هو الأكثر تأثيرا في حياتي العملية، ففيه عشت مراحل تدهور حياة المصاب الذي كان في العشرينات من عمره، حيث تلقى خلال المشاجرة إصابة بليغة في رأسه.

واذكر ان ذلك الشاب لم يتوقف عن الحديث معي أثناء توجهنا الى المستشفى على الرغم من جرحه النازف، فقد كان يسألني عن كل شيء حتى عن اسمي، وأثناء عملنا على تضميد جراحه شعرت بأنه بدأ يدخل في مرحلة الغيبوبة، فكلما زاد التدهور في حالته كان شعوري بالخوف على حياته يزداد، لكن بفضل الله تمكنا من الوصول الى المستشفى قبل تدهور صحته تماما، وفي حادثة أخرى، طلب منا التوجه إلى منطقة القصيص لنقل احد المرضى المصابين بمرض السل الرئوي، واذكر أننا رأينا عند دخولنا لأروقة المكان العديد من بقع الدم، وظننا للوهلة الاولى بأن المريض جريح.

ولكن بعد وصولنا الى الغرفة التي امتلأت ببقع الدم وبقايا الطعام وجدنا عددا من الأطباء يحاولون انقاذ حياته، ورغم محاولاتهم الحثيثة الا انه فقد حياته»، وتضيف: «ادركت في هذا الحادث أن منظر الدماء لم يعد يرعبنا، فقد اجتثت كثرة الحالات التي واجهناها الخوف من قلوبنا، واكتشفت أن أكثر ما نخشاه في عملنا هو فقدان حياة المصاب».

إسعاف ذوي القربى

«منذ صغري وأنا أحب مداواة الجروح، وهو ما نمى حبي للعمل الطبي، ودعاني الى التطلع لدراسة الطب في الخارج، ولكن بسبب معارضة أهلي فضلت التوجه لدراسة تخصص الاسعاف، خاصة وانه من التخصصات التي تحتاجها الدولة».

هكذا بدأت المسعفة علياء عبد الله النوفلي من مركز خدمات الاسعاف بدبي حديثها معنا، وواصلت: «تخرجت من كلية التقنية منذ عام تقريبا في تخصص الإسعاف، الذي اعتدت معه على رؤية الحوادث التي ساعدتني على التخلص من التوتر الذي قد يصيب الإنسان في هذه الحالات، وأصبحت قادرة على تهيئة نفسي عند توجهي الى مكان الحادث، على رؤية الأسوأ وذلك حتى لا أتفاجئ بما هو موجود».

وتضيف: «بلا شك أن المسعف في النهاية إنسان وبالتالي لديه القابلية للتوتر في الحوادث، ولكن المسعف الماهر هو الذي يتمكن من كتمان توتره وعدم إظهاره للمصاب حتى لو كان أحد أقربائه.

وتدلل علياء على قولها هذا بإحدى التجارب التي مرت فيها، حيث قالت: «في أحد الأيام تلقيت بلاغاً بوجود مريض يحتاج إلى نقل فوري إلى المستشفى، ولم أكن اعرف في البداية وجهتنا الا بعد اقترابنا من المكان، حيث اكتشفت ان المريض المقصود هي اختي التي تعاني من مرض السكري الذي ارتفع مستواه بشكل ملحوظ».

وتواصل: «في تلك اللحظة كان علي أن أتحلى بضبط النفس والتعامل مع الموضوع بجدية، خاصة وأن الخوف والتوتر كانا باديين بوضوح على وجه والدتي، وللوهلة الأولى خفت ان ينتقل هذا الخوف لي، وبالتالي لا أتمكن من مساعدة اختي التي شعرت بارتياح لوجودي بجانبها، وبدأت أتجاهل هذا الشعور وأتعامل مع اختي كأي طبيب وأخذت أسجل بياناتها لمعرفتي فيها، ورغم ارتباكي وخوفي عليها الا انني تمكنت من نقلها الى المستشفى».

كثيرة هي الحوادث الدموية التي قد يواجهها المسعف خلال عمله، وعلياء كانت واحدة من المسعفين الذين واجهوا مثل هذه المواقف، حيث قالت: «في إحدى الحوادث كان المصاب شابا صغيرا لا يتجاوز عمره التاسعة عشرة، حيث اصيب في حادث دهس اثناء قيادته لدراجة نارية، واذكر ان وضعه الصحي كان في غاية السوء لما فيه من جروح، ومع وصولنا لمكان الحادث كان الشاب في حالة اغماء من شدة الاصابة.

وبدأنا على الفور بإنعاشه وإعطائه ما يحتاج من اكسجين، وقد بدأ يتقيأ دما وهذا كان مؤشرا على تدهور حالته، الى جانب انه كان مصابا في رأسه، وعادة هذه الإصابات قد تؤدي الى ان يكون المصاب شخصا عدوانيا، وبالفعل لم يكن يقبل الأكسجين وكان يتحرك بشدة لدرجة أننا لم نتمكن من ضبط حركته، ولكن الحمد لله تمكنت بمساعدة زملائي من إسعافه ومداواة جراحه الخارجية قبل وصولنا الى المستشفى، حيث ادخل على الفور في غرفة العمليات لشدة ما فيه من إصابات داخلية».

اختيار المسعفة منال آل علي لهذا التخصص كان بسبب رغبتها في خدمة بلدها، والبروز في مجال جديد يحتاجه المجتمع بشدة، وقد تمكنت منال من إقناع أهلها بمهنتها الجديدة وبقدرة الفتاة على القيام بمهام المسعف لتستلهم منهم الدعم والتشجيع فيما بعد، خاصة وأن المجتمع يحتاج لوجودها في الإسعاف، وحول ذلك تقول منال: «اعتقد ان وجود المسعفة المواطنة في سيارة الاسعاف أمر ضروري، وذلك لأن العادات والتقاليد تفرض عدم لمس الرجل لجسم الفتاة بأي شكل من الأشكال.

وبالتالي فوجودنا نحن ساهم بحل معضلة كانت تعاني منها النساء والفتيات في مجتمعنا واصبح من السهل تقديم العلاج المناسب لهن في الحالات الطارئة، ولذلك اصبحنا نتلقى التشجيع من الجميع، وتقبل المجتمع وجودنا في الاسعاف برحابة».

لقد ساهمت منال بتضميد العديد من جرحى الحوادث رغم أنها لم تبرح بعد مقاعد الدراسة، فما زال أمامها سنة دراسية كاملة للتخرج في هذا التخصص، ومن ابرز المشاهد التي ما زالت تحتفظ بها منال، تقول: «في احد الأيام تلقينا بلاغا بوجود حادث تدهور سيارة على شارع الخوانيج، وتوجهت وزملائي فورا الى مكان الحادث، لنجد ان السيارة التي كان يقودها شاب في العشرينات ويرافقه فيها أختاه الصغيرتان اللتان لم تتجاوزا سن الثامنة وعائلته، قد قلبت رأسا على عقب، ولكن الحمد لله تمكنوا جميعا من الخروج منها، رغم ان الطفلتين قد اصيبتا بالحادث، فواحدة بكسر في قدمها والثانية في وجهها، ولكن الموقف الذي أثر فينا جميعا، عندما سمعنا بكاء ذلك الشاب بعد معرفته من أخيه الأكبر أن أخواته وعائلته بخير، فقد شعرنا بأنه ندم على قيادته للسيارة بسرعة عالية».

خليفة بن دراي: المركز يفتح أبوابه للمواطنين

يقول خليفة بن دراي، المدير التنفيذي لمركز خدمات الإسعاف في دبي، عن دور المركز في توطين مهنة الإسعاف: «بدأ المركز منذ ولادته وبالتعاون مع شرطة دبي وكليات التقنية بالعمل على استقطاب المواطنين والمواطنات للعمل في مهنة «فني طب طارئ»، من خلال توفير كل ما يحتاجه تخصص الإسعاف، والذي بدأ يلقي بظلاله على الشباب من الجنسين بعد الحملات الإعلانية التي قمنا بتنفيذها.

وقد تبنت شرطة دبي في البداية المسؤولية الكاملة عن طلبة الدفعات الأولى والثانية والثالثة، من حيث توفير الرواتب والحوافز لمنتسبيها.

وبعد الدفعة الثالثة بدأ المركز اثر توقيعه على اتفاقيات مباشرة مع كليات التقنية بتولي مسؤولية الطلبة وتدريبهن وإعدادهن للعمل الميداني»، ويواصل بن دراي: «لتحفيز المواطنين والمواطنات على الانضمام لهذا التخصص قمنا بتخصيص رواتب لهم منذ اللحظة الأولى التي يبدأون فيها الدراسة، حيث يبدأ الطالب براتب 4000 درهم ليصل إلى 5500 درهم بعد أربع سنوات، مع ضمان حصوله على العلاوت والحوافز الأخرى.

الى جانب توظيفه في المركز على الدرجة العاشرة». ويشير بن دراي الى أن الفتيات المواطنات المسعفات يتلقين معاملة خاصة من حيث الدوام في المركز والذي ينقسم الى أربع ورديات، حيث يقتصر دوامهن على الورديات الأولى والتي تبدأ في الساعة السادسة صباحا وتنتهي في الساعة العاشرة ليلا، مع وجود خيار تغيير أوقات الوردية في حالة رغبن بذلك، وذلك في إطار سياسة التشجيع التي يعتمدها المركز الذي يعمل فيه حاليا نحو 660 مسعفا منهم نحو 117 فتاة، لجذب المواطنين إليه.

غسان خروب