شهدت منطقة الشرق الأوسط في الفترتين ـ السابقة والحالية ـ انتخابات على المستوى النيابي، كالانتخابات التي جرت في لبنان أو التي جرت في الكويت لانتخاب أعضاء البرلمان الكويتي ـ مجلس الأمة ـ أو انتخابات الرئاسة الإيرانية، هذا الحراك السياسي في الدول نفسها سبقه وتزامن معه حراك سياسي إقليمي ودولي، فلا ديمقراطية من دون نفوذ سياسي.

ولا نفوذ سياسي من دون دعم مالي، ولا يوجد دعم مالي من دون أجندة سياسية لدولة أو لعدة دول متحالفة ـ لا يمكن التسليم بهذا القول، ولكن فيه قدر كبير من الصحة. نحن هنا لا ننتقد ولا نوجه، ولكن نسلط الضوء على مجريات الأحداث في المنطقة، فالوضع الراهن ليس جديداً على الأحداث الإقليمية والدولية لكنه جدير بالمتابعة.

الصراعات السياسية الدولية والإقليمية بل المبادرات العالمية والتي قد تحل قضايا مضى عليها عقود، تعتمد على نتائج الانتخابات التي تجري في المنطقة، بل ان سياسات عالمية لدول كبرى قد تتغير وجهات نظرها في حال تفوق حزب على حزب، فالحراك السياسي يبدأ بالتصويت، إذا الناخب يشارك في صنع السياسات الدولية سواء تعمد ذلك أو لم يتعمد، واقتصرت رؤياه فقط على الأوضاع المعيشية في دولته.

لذا قام بعض المرشحين الذين يتمتعون بنفوذ سياسي ومالي مستقل، أو بدعم من بعض الدول بتوفير تذاكر ذهاب وإياب وإقامة مجانية لثلاثة أيام للناخبين لكي يقطعوا مسافات ليست بالقصيرة ليتمكنوا من العودة لدولهم ويدلوا بأصواتهم، وهذا يدل على القدرة المالية للمرشحين وعلى اهتمام غير مسبوق بأصوات الناخبين.

وعلى تنظيم ضخم سبق فترة الانتخابات ليشمل أصوات تفرقت في بقاع الأرض، أدت في النهاية غرضها السياسي، إن هذه الخطوات لا يمكن الطعن فيها وأيضاً لا يمكن القول بنزاهتها، ولكن أقل تقدير يبقى في هذه النتائج قدر من الصحة، فلم يتم تزوير النتائج لوجود وعي انتخابي بالإضافة إلى وجود مراقبين من منظمات وجهات دولية.

الديمقراطية فيها تفاوت، فقد يتحمل بعض الناخبين نفقات مالية تفوق قدرتهم الاقتصادية لكي يوصلوا أصواتهم، بينما في بعض الدول الناخبين يتم دفع تكاليف سفرهم وإقامتهم بالإضافة إلى مصاريف أخرى، تقدر مجمل المصاريف للشخص الواحد بما يزيد على 3000 دولار. ففي بعض الأحيان تكون الديمقراطية لا ديمقراطية، ويكون وجودها نقمة أكثر من غيابها، هذا ليس تحاملاً على الديمقراطية، بل تسليط ضوء على سلبياتها التي بدأت تظهر للعيان.

يوجه دائماً للأنظمة في منطقة الشرق الأوسط اتهام بالاستبداد السياسي وعدم الديمقراطية، فلا بأس ان نوجهه للجهات التي توجه هذا الانتقاد تساؤل وهو هل فعلاً تطبق هذه الجهات الديمقراطية، ولا ننسى أن هذه الجهات هي التي قامت بممارسة نفوذها السياسي والمالي لتغيير نتائج صناديق الاقتراع.

فهل الوقوف بصف جانب دون الجانب الآخر مهما كانت المبررات ينافي الديمقراطية، هذا التساؤل نستطيع أن نجيب عنه من منظورين، أولاً المنظور السياسي: فنقول قد تكون هناك مبررات سياسية هادفة وتجنب المنطقة فتيل حرب أو أزمات سياسية وهو مبرر قد يلاقي قبولاً لدى البعض إن لم نقل الكل.

أما الثاني فهو المنظور الديمقراطي، وفي ظني أن مسائل تمويل المرشحين لم تغفلها الجهات المنظمة للانتخابات، حيث يوجد ما ينظم مسائل تمويل الناخبين، إذاً فهو في نهاية المطاف قرار سياسي يفوق المسائل التنظيمية، والاستثناءات أو غض الطرف وارد في مثل هذه الحالات.

من المهم في النهاية لدول المنطقة مستقبلاً تفادي مثل هذه السلبيات والتركيز على الأهداف الوطنية لها في الدرجة الأولى، وهي الحكم الرشيد من رؤيا وطنية خالصة وحماية ناخبيها من الصراعات الإقليمية والدولية لتحقق ديمقراطيتها المنشودة، ولا ننسى التركيز على محاربة شراء أصوات الناخبين، لما في ذلك من معارضة لمبادئ الديمقراطية.

عبيد المهيري ـ دبي