على الرغم من أن عبارة المسؤولية الاجتماعية أصبحت لحناً جديداً يتغنى به المتحدثون باسم الشركات الكبيرة في المنطقة، إلا أنّ ملامح مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات لم يتحدد بعد بشكل واضح على مستوى منطقتنا، وهي لاتزال في مهدها.

حيث ان معظم مبادرات المسؤولية الاجتماعية، إن لم نقل جميعها، لا تزال في حدود الإعراب عن النيات الحسنة للمؤسسات والشركات تجاه المجتمع الذي تزاول نشاطها فيه، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن الفائدة العائدة على المؤسسة من جراء هذه الأنشطة تفوق بمراحل الفائدة العائدة على المجتمع، وذلك على صعيد تلميع الصورة الذهنية لهذه المؤسسة.

ولا تقتصر المسؤولية الاجتماعية على بعض المظاهر والأنشطة التي نراها من الشركات في رمضان مثلاً، إذ أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية بمعناه الواسع، يشمل جوانب كثيرة، منها الالتزام بالأنظمة والقوانين المتبعة، والنواحي الصحية والبيئية، ومراعاة حقوق الإنسان وخاصة حقوق العاملين، وتطوير المجتمع المحلي.

والالتزام بالمنافسة العادلة، والبعد عن الاحتكار، والاستثمار في الموظفين وتنمية الموارد البشرية، وتوفير بيئة عمل ملائمة، والارتقاء بمستوى المعيشة، والمساهمة في ترسيخ الهوية الوطنية، والمحافظة على خصوصية المجتمع ومساعدته على مواكبة التطورات الاقتصادية والتقنية الحاصلة في الدول المتقدمة في آن معاً.

ويمكن أن نعزي بطء انتشار برامج المسؤولية الاجتماعية في مجتمعنا إلى أسباب عدة، من بينها وأهمها عدم وضوح دور ومهام ومجالات المسؤولية الاجتماعية في أذهان وثقافات القائمين على المؤسسات، إضافة إلى قلة الخبرات والمعرفة والقدرة العلمية على وضع المقاييس والمعايير الخاصة ببرامج المسؤولية الاجتماعية، إذ أنه يوجد خلط ما بين الأعمال الخيرية والمسؤولية الاجتماعية.

حيث ان الأولى تتوجه إلى المجتمع من الاهتمام بعائد مباشر على الشركة بينما في حالة المسؤولية الاجتماعية فإنه يجب أن يكون هناك عائد على المؤسسة من قبيل تخفيف الضرائب وتلميع الصورة أمام المجتمع، وتمكينها من الحصول على تغطية إخبارية في خارج حيز إطار عملها الأساسي.

والمتتبع لمفهوم المسؤولية الاجتماعية سواء للشركات أو الأفراد يجده راسخاً ومتأصلاً في عقيدتنا وثقافتنا الإسلامية، تربينا عليه جيلاً بعد جيل وتدل عليه آيات وأحاديث كثيرة تحث أفراد المجتمع ليتعاضدوا معاً، حيث ورد في الحض على العمل تجاه المجتمع قوله تعالى «وقل اعملوا» خطاب للجميع.

«فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم، وفي الحديث الشريف: (لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع) وفي الحديث أيضاً «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان»، فإماطة الأذى عن الطريق بكل أشكالها التقليدية والمعاصرة هي مسؤولية اجتماعية لكل فرد في المجتمع قبل أن تكون للشركات والمؤسسات.

وقال عمر رضي الله عنه لو أن بغلة تعثرت في الشام لسألني عنها ربي لما لم تسوي لها الطريق، وفي هذا أكبر دلالة على المسؤولية تجاه مخلوقات الله من غير الإنسان وعلى المسؤولية تجاه البنى التحتية ومثالها شبكة المواصلات، وهكذا نجد أن بذور المسؤولية الاجتماعية مزروعة فينا وكل ما علينا هو تطوير برامج المسؤولية الاجتماعية لتنسجم مع حاجات مجتمعاتنا في زماننا ومكاننا الذي نحيا فيه.

ومن الأفكار التي أرى أنها قابلة للتطبيق في مكاننا وزماننا وتنفع وتخدم مجتمعنا، زيادة الوعي بأهمية المباني الخضراء وهي مسؤولية شركات التطوير العقاري، ويمكن على المستوى الفردي اقتناء منتجات خضراء في المنزل والمكتب من تجهيزات كهربائية تقلل من ازدياد الانبعاث الكربوني العالمي، والتعود على مبدأ إعادة التدوير وفرز النفايات.

بعض برامج الإرشاد يمكن أن تبدأ مع طلاب المدارس، وذلك بهدف إنشاء جيل واع مسؤول يتبع سلوكيات تنم عن الحس العالي بالمسؤولية الاجتماعية، ومن ضمنها ترشيد الاستهلاك والتحفيز على الابتكار وزيادة الاخضرار.

وأشير هنا إلى إنّ دور المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات لا يلغي في حال من الأحوال دور الحكومة في تنمية المجتمع، وإنما يعززه ويتكامل معه. فنحن لا نطالب بوحدة خاصة للمسؤولية الاجتماعية في كل شركة أو مؤسسة، وإنما أن تقوم المؤسسات بتخصيص جزء بسيط حتى ولو 1% من أرباحها لدعم برنامج لخدمة المجتمع قابل للقياس والتقييم.

فريدة عبدالله ـ مجموعة دبي للعقارات (مدير إدارة تنفيذي ـ الموارد البشرية)