حذّر الباحث والأكاديمي النيجيري الدكتور الخضر عبد الباقي من المحاولات المحمومة لأعداء العربية وثقافتها لطمس ما تبقى منها في القارة الأفريقية.
وأن تلك المحاولات باتت ممنهجة واضحة للعيان وللمستعربين الأفارقة الذين شكلوا جسراً ورابطاً بين العرب والأفارقة طيلة قرون من الزمن، وأن ذلك يدخل ضمن سعي فرانكفوني وغربي لفرض صورة مغايرة لما كانت عليه العلاقات الثقافية العربية- الأفريقية؛ جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها مساء أول من أمس في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، وكانت بعنوان «اللغة العربية في أفريقيا: الواقع والتحديات» سلط من خلالها الضوء على الأوضاع الثقافية العربية في القارة السمراء بعيداً عن شمالها العربي.
وأشار عبد الباقي إلا أن أبرز التحديات التي تواجهها اللغة العربية المتجذرة في أفريقيا؛ يتمثل بالتداخل الذي يعزف على أوتاره أعداء العرب هناك بين الإسلام واللغة العربية، وتحريض الإثنيات المختلفة باستخدام هذا التداخل لتصويره عامل هيمنة عربية على القارة الأفريقية بمنطق واتجاه إسلامي، وأضاف: «تتمثل التحديات الخارجية في شبهات وإشكالات مثارة ضدّ الثقافة العربية في بعض المناطق الأفريقية، فهناك حملات عدائية قوية تشنّ ضدّ العرب وثقافتهم العربية والتي تروّج لها بعض القوى والجهات عبر عدة قنوات في الأوساط الأفريقية.
وتمثّل في جملتها تحديات تعيق الجهود والمحاولات الرامية لتعزيز التقارب بين الأفارقة والعرب من جهة، وبين المدّ الإسلامي وانتشاره من جهة أخرى، حملات يخطط لها وتنظم في مختلف صور وفي أكثر من مجال وحقل، غير أنّ الفكرة الأساسية لتلك الحملات تقوم على جدلية العلاقة بين العروبة والأفريقانية باعتبارهما هويتين متناقضتين لا يمكن أن يلتقيا، وتسعى تلك الحملات لتدعيم اتجاهات التشكيك في نوايا العناصر العربية، ومن بين تلك الشبهات والإشكالات المثارة ما يلي:
اتهام العرب بالسعي لفرض استعمار جديد على أفريقيا وشعوبها عبر نشر الثقافة العربية، الدعوة إلى عدم اعتبار الهوية الأفريقية لعرب شمال أفريقيا، الدعوة إلى رفض القبول بالعربية كلغة أفريقية وطنية، إثارة بعض التجاوزات التي حصلت في الماضي والتركيز على ـ عملية المتاجرة بالإنسان الأفريقي الأسود- من قبل بعض العناصر العربية.
وتوظيفها لصالح القوى الإمبريالية المعادية للإسلام وللعرب، هذه التحديات جميعها هي التي شكلت خلفية داعمة للمواقف المتباينة لمختلف الجهات والأوساط في المجتمعات الأفريقية ذات التوجه الأنجليفوني أو الفرنكفوني من العربية والمنتمين إلى ثقافتها، والتي تتأرجح ما بين مواقف عادية، وأخرى متخوفة ومتشككة، واستعلائية وإقصائية تارة أخرى».
وتطرق المحاضر إلى الخطوات الأولى التي خطتها اللغة العربية في القارة الأفريقية حتى قبل ظهور الإسلام بعوامل التجارة، وأشار إلى الهجرات الأولى التي جاءت من المغرب العربي بعد الفتح الإسلامي إلى عمق القارة السمراء، ثم ذكر مجموعة من العلماء والأعلام الأفارقة من الأجيال الأولى التي أسهمت في نشر العربية وثقافتها، ومنها «أحمد بابا التمبكتي» (ت1627) الفقيه واسع الثقافة ألف الكثير من الكتب.
و«ذيّل لابن فرحون» في كتابه «نيل الابتهاج» والعلامة عبد الرحمن السعدي، المؤرخ الكبير والذي ألف كتابه «تاريخ السعدي» وأشار فيه إلى دلائل وشواهد تؤكد وجود مجتمع ثقافي عربي في غرب أفريقيا يحاكي المجتمعات العربية في شمال أفريقيا، كما ترجم لأكثر من مائة عالم وشاعر ومؤرخ وفقيه أفريقي، عبّروا عن فكرهم بالعربية.
ووصف المحاضر حال المدارس التي تدرس العربية في أفريقيا مقارنة بالمدارس من اللغات الأجنبية الأخرى في السنوات القليلة الماضية بالمحزن مع إهمال المؤسسات الثقافية والتعليمية والرسمية العربية لمتعلمي ودارسي اللغة العربية في أفريقيا، والجهود الكبيرة التي تبذلها تكتلات «الكومنولث» و«الفرنكفونية» في هذا المجال، وصوّر عبد الباقي ما يجري هناك بصراع وغزو غربي ثقافي حقيقي للثقافة الأفريقية.
وأضاف «واجه المستعربون في أفريقيا خلال تاريخهم الحديث مهمات صعبة، هي مسؤولية الانعتاق من الهيمنة والغزو الثقافي الغربي الاستعماري، وقد شكل خيار المواجهة الإطار العام للعمل منذ سقوط الإمبراطوريات الأفريقية الإسلامية ذات المرجعية الثقافية العربية».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
