نواجه في حياتنا الكثير من المصاعب، ونتمكن من التغلب عليها اما بأنفسنا أو بالاستعانة بأحد، ولكن هناك فئة تعيش بيننا تواجه في حياتها العديد من الصعاب ولا تجد من يعينها على الخروج منها، إنهم المكفوفين الذين يحاولون الخروج من سجنهم الأبدي عبر مواصلتهم للحياة بكل ما فيها من تعب وشقاء.
ومشكلتهم تتمثل في سلاح العلم الذي يحاولون الحصول عليه بشتى الوسائل، خاصة وأنهم استطاعوا أن يثبتوا قدرتهم على النجاح في حالة توفر الامكانيات لهم، ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة، أخرها ما حققوه من نتائج مشرفة في امتحان الثانوية العامة، فرغم افتقادهم لنعمة البصر استطاعوا التفوق على المبصرين.ورغم ذلك يصطدم البعض منهم عند دخوله لأروقة الجامعة بواقع جديد، حيث لا تتوفر لهم الامكانيات التي تعينهم على تخطي هذه المرحلة املا في الحصول على شهادة عالية تؤهلهم لولوج سوق العمل، حتى لا يكونوا جزءا من البطالة، ولذلك ارتأينا تسليط الضوء على مشكلات هذه الفئة، والتي أجبرت البعض منهم على التوقف نهائيا عن استكمال دراسته الجامعية.
بدايتنا كانت مع المواطن خلفان بن ظاهر، والذي ما زال يحتفظ في ذاكرته بقصة معاناة طويلة مع الجامعات، حيث قال: بدأت دراستي مع المكفوفين في مركز دبي لتأهيل المعاقين منذ عام 1992، حيث تعلمت فيه القراءة والكتابة بطريقة «برايل»، وبقيت معه حتى المرحلة الاعدادية،.
وبعد انتقالي الى الثانوية واجهت بعض الصعوبات ولكن بفضل الله تغلبت عليها، فمن ناحية الكتب كان الهلال الأحمر يوفرها لنا بلغة برايل، وأحيانا كنت اضطر لطباعة بعض المواد الانجليزية والعربية، اما من ناحية الامتحانات فقد كان هناك لجنة خاصة لمساعدتنا في أدائها، وقد حصلت في الثانوية العامة على معدل عال أهلني للحصول على منحة للدراسة في استراليا.
ويواصل خلفان: بعد حصولي على المنحة توجهت الى استراليا التي اضطررت لمغادرتها بعد مرور اربعة اشهر، بسبب عدم توفر مرافق لي، لان الكفيف هناك يعتمد على نفسه بشكل كامل سواء في الدراسة أوالتنقل أوغير ذلك، وبعد عودتي انضممت إلى الجامعة الأميركية في دبي لدراسة تخصص الاقتصاد وبقيت فيها حتى ديسمبر الماضي، حيث اضطررت الى تركها بسبب المصاعب والنواقص التي واجهتني فيها.
ومنها عدم سماح ادارة الجامعة لي بأخذ أكثر من مادتين خلال الفصل الواحد، وعندما سألت عن سبب ذلك قالوا: أنني طالب كفيف وانهم بحاجة في البداية لمعرفة قدراتي حتى يتمكنوا من اعطائي اكثر من مادة مستقبلا، علما بأن المواد غير مؤهلة لدراسة المكفوفين، حيث لا يتوفر في الجامعة نسخة الكترونية أو حتى نسخة بلغة برايل لأتمكن من مراجعتها والتأهل للامتحان، وكنت اعتمد في ذلك على ذاتي وهو ما أستغرق مني وقتا طويلا في اعدادها.
كما كنت أعاني في أداء الامتحانات، حيث لم أجد احد يساعدني في قراءة الامتحان والاجابة عليه، وكانت ادارة الجامعة تقول: أن الطالب لدينا يعتمد على نفسه وبالتالي لا يمكننا توفير مرافق لك في الامتحان، إلى جانب أن بعض الأساتذة كانوا يتعاملون معي وكأنني طالب عادي، فلم يمنحوني حتى الوقت الكافي للاجابة على اسئلة الامتحانات، مما ادى الى رسوبي في مادة الانجليزي بسبب رفضهم قيام احد بقراءة الامتحان لي. الأمر الذي أثر على درجاتي.
ويشير خلفان الى انه حاول بكل الطرق التحدث مع إدارة الجامعة، إلا أن ردها كان «إن هذه الخدمات لا تتوفر لدينا». وقال انه يجب على الاساتذه في الجامعات ان يكونوا مؤهلين للتعامل مع الطلبة المكفوفين حتى لو كان لديهم طالب واحد في الجامعة.
إثبات قدرات
وخلال دراسته في اميركية دبي حاول خلفان ان يثبت قدرته ومهاراته رغم ما يعانيه من إعاقة، وذلك من خلال مشاركاته في بعض الانشطة الطلابية التي قدم فيها العزف والغناء، وبعد تركه لها انتقل إلى جامعة الشارقة للدراسة فيها، وحول ذلك قال:
لم تستمر دراستي في جامعة الشارقة سوى اسبوعين فقط، فرغم الفرق الذي وجدته فيها من حيث تعاون الاساتذه والطلبة معي، اصابتني حالة من الاحباط بسبب التحول الجذري في الدراسة، ففي أميركية دبي كان المنهاج باللغة الانجليزية وكان من السهل علي التعامل معه بسبب دراستي للنظام الاميركي، اما في جامعة الشارقة فقد كانت الدراسة باللغة العربية، وهذا ادى لعدم تأقلمي مع المواد المطروحة، خاصة وان دراستي كانت في تخصص العلاقات العامة.
ويعتقد خلفان، الذي يدرس حاليا في مؤسسة تمكين الخاصة بالمكفوفين، والتي تحاول توفير فرص عمل لهم، أنه يجب على الجامعات ان تكون مؤهلة لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة بغض النظر عن الحالة وان يتم توفير احتياجاتهم.
تجنب العقبات الصغيرة
في المقابل، اضطر شقيقه عبد الله (17 عاما)، والذي تخرج مؤخرا من الثانوية العامة بمعدل عال، الى الاستعانة بإحدى المراكز الأميركية التي وفرت له فرصة الدخول لامتحان التوفل، حيث وفرت له بالتعاون مع قرية المعرفة بدبي المساعدة الكاملة لاداء الامتحان بشقيه القراءة والكتابة، الى جانب انها منحته الوقت الكافي لإنهاء الامتحان.
وحتى لا يمر عبد الله بتجربة أخيه فقد حاول الاتصال بعدد من الجامعات لمعرفة اذا كانت توفر الخدمات المخصصة للمكفوفين أم لا، وقد وجدها متوفرة فقط في جامعة الشارقة، وحول ذلك يقول: كنت أتطلع في الأساس لدراسة تخصص تقنية المعلومات لحبي له، ولكن اضطررت للتخلي عنه بسبب وجود بعض المواد التي لا تتلاءم مع المكفوفين، وحاليا اطمح لدراسة الاقتصاد أو القانون في احدى جامعات الدولة، وقد اتصلت بالعديد منها ولكني وجدت أنها لا توفر ما احتاجه من متطلبات خاصة باستثناء جامعة الشارقة التي فتحت لي صدرها.
ويعتقد عبد الله الذي يطمح الى الحصول على شهادة البكالوريوس بأسرع وقت ممكن، ان الجامعات المحلية قادرة على حل مشكلات الطلبة المكفوفين، وخاصة الكبيرة منها في حالة توفيرها لبعض احتياجاته، ودعا زملاءه الى تجنب العقبات الصغيرة أملا في الحصول على الشهادة العلمية التي تمكنهم من دخول سوق العمل.
تجربة طويلة
أما المواطن أحمد الغافلي، والذي يدرس تخصص العلاقات العامة في جامعة الشارقة فقال عن ابرز الصعوبات التي تواجهه في الجامعة: انتقلت الى جامعة الشارقة بعد تجربة طويلة في الجامعة الاميركية بدبي.
حيث وجدت انها توفر بعض احتياجات الطلبة المكفوفين، ولكن رغم ذلك فما زلنا نعاني من عدم توفر مرافق أو مساعد لنا في الامتحان، الأمر الذي يضطرنا الى تأجيله حتى نجد من يساعدنا في الكتابة، وبالطبع فإن هذا يضيف عبئا كبيرا على كاهلنا ويبقينا تحت التوتر والضغط العصبي المستمر، بالإضافة إلى معاناتنا من ضيق الوقت في الامتحانات.
حيث لا نعطى الوقت الكافي للاجابة عن الاسئلة الامر الذي يؤثر على درجاتنا فيها، والى جانب ذلك فنحن نعاني من قلة توفر بعض المواد بنسخ الكترونية تمكننا من مذاكرتها على شاشة القراءة، ونادرا ما نجد من يطبع لنا هذه المواد، خاصة وان الجامعة لا توفر لنا هذه الخدمة.
وتعتبر ذلك اجتهاد من الطلبة أنفسهم، معتمدين على عدم وجود قانون يلزمهم بتوفير مثل هذه المواد أو اشخاص لمساعدة المكفوفين، ويضيف أحمد: احاول التأقلم مع هذا الواقع بتسجيل الملاحظات اثناء المحاضرات على طريقة برايل، ولكن برغم ذلك فانا احتاج الى المواد بنسخ الكترونية حتى اتمكن من قراءتها والاستعداد للامتحانات وحل الواجبات المطلوبة منا.
محدودية التخصصات
ويشير أحمد في حديثه الى مشكلة أخرى، وهي محدودية التخصصات المفتوحة للطلبة المكفوفين وحول ذلك يقول: بالنسبة لي كنت اطمح لدراسة الاعلام المرئي، ولكن للاسف لم أقبل في هذا التخصص بسبب أنني كفيف، وان بعض المواد خاصة التي تتعلق بالتصوير والكاميرات تحتاج الى أن يكون الطالب مبصر، ولذلك تحولت الى دراسة العلاقات العامة، ويعتقد أحمد أن مثل هذه المواد يمكن تعديلها بحيث تكون مناسبة للمكفوفين.
وبالتالي يمكن لهم الابداع فيها، وخاصة عندما تتوفر فيهم هذه الموهبة. أما شقيقه محمد الغافلي، والذي يدرس هو الاخر في جامعة الشارقة في تخصص الصحافة المطبوعة، فقد قال: بالنسبة لي لم أواجه في جامعة الشارقة المشكلات التي واجهها أخي أحمد في امريكية دبي، باستثناء عدم توفر المواد المطلوبة بنسخ الكترونية، ولكني نجحت في التغلب عليها بالاستعانة بالأساتذة، في حالة توفر نسخة الكترونية لديهم، اما المشكلة الثانية فهي عدم وجود أحد في الجامعة مكلف بكتابة الامتحان لنا، مما جعلها مهمة تطوعية من أحد الطلبة أو الأساتذة.
ولا أنكر أن الجامعة في هذا الخصوص متعاونة معنا بقدر الامكان، وطالب محمد بإعطاء الطلبة المكفوفين الوقت الكافي للانتهاء من الامتحانات، وخاصة إذا كان الامتحان عن طريق الكمبيوتر، حيث ان الوقت الممنوح لهم احيانا كثيرا لا يكون كافيا، وأشار الى أن النتائج التي يحققها الطلبة المكفوفين في الجامعة لا بأس فيها، وأن بعضهم يقوم حاليا باستكمال دراسته للحصول على درجة الماجستير.
غسان خروب

