قبل شهور قليلة، كان الأمر مجرد سؤال تردد بعد وفاة الفنان اللبناني الكبير منصور الرحباني: هل يعيد أبناؤه عرض مسرحيته الشهيرة صيف 840، تحقيقاً لأمنية عبر عنها يوماً الجواب لم يتأخر كثيراً: صيف 840 تطل خلال الصيف في مهرجانات جبيل اللبنانية، ومن اللحظة الأولى بدأ التحضير، وتولّى أبناء الراحل الثلاثة مروان وغدي وأسامة مسؤولية الإشراف على التفاصيل كافة.
مروان الرحباني في حركته التي لا تهدأ بين إقامته الإماراتية ومسقط الرأس، يحاول إقامة نوع من التوازن بين تلبية متطلبات العمل، الذي يؤديه منذ عشرين عاماً عبر شركة الرحباني للإنتاج الفني في دبي، والانخراط في ورشة الأعمال المسرحية الضخمة التي دأبت الأسرةعلى إطلاقها في السنوات الأخيرة من لبنان بقيادة الكبير منصور (التسمية التي يحبها أبناؤه).
تمكنا من احتجاز المخرج اللبناني لبعض الوقت، لنتعرف على واقع الأسرة بعد رحيل كبيرها الآخر، ونسأل عن القطار الرحباني إذا ما كان سيكمل سيرته الأولى، وأشياء أخرى.. وكانت البداية من الحدث الآتي قريباً.
لماذا صيف 840 من جديد على الخشبة؟
قبل رحيل الكبير منصور بأسبوع ، كنت مع غدي وأسامة نتبادل اطراف الحديث، قريباً منه وهو على سرير المستشفى، وطرح موضوع مهرجانات جبيل، وماذا يجب علينا تقديمه. غدي كان صاحب فكرة إعادة تقديم المسرحية.
ووافق منصور على الفور، لأن هذا العمل كل ما مرت الأيام، ينطبق أكثر على الواقع. وكانت الفاجعة برحيل منصور، فأصررنا نحن الثلاثة على أن تكون المسرحية تحية للكبير منصور، كما سبق أن حيا منصور من خلالها في عام 1987 شقيقه عاصي بعد رحيله في 21 يونيو عام 1986.
متى يبدأ عرض المسرحية؟
سوف تبدأ العروض في مساء 8 أغسطس، وتستمر حتى الثاني عشر منه، في مهرجانات جبيل (بيبلوس) الدولية، وحاولنا مثل كل مرة نقدم فيها عروضاً في قلعة جبيل الأثرية، أن نجعلها جزءاً من الديكور.
بعد جبيل إلى أين؟
هناك جهات خليجية وعربية عدة تتفاوض معنا لتقديم عروض في بلدانها، لكن ما هو مؤكد أن عرضها سيستمر فترة طويلة على مسرح كازينو لبنان ابتداء من مطلع العام 2010.
ما الذي تغير في صيف 840 بين صيف 1987 وصيف 2009؟
طبعاً، الأعمال العظيمة لا تتغير لناحية النص والموسيقى، والنص بات منشوراً في الكتب، والموسيقى بطبيعة الحال أيضاً. أما الجديد، فإن المسرحية سوف تعرض في الهواء الطلق، الذي يفرض علينا سينوغرافيا وإخراجاً جديدين، بينما تم هذه المرة تسجيل الموسيقى بأوركسترا أكبر حجماً وإمكانيات.
وتغيرت الأزياء، والعديد من الممثلين باستثناء غسان صليبا الذي بقي(سيف البحر) وأنطوان كرباج(اليوزباشي عساف الضاهر).
لمَ التمسك بهذين الممثلين، إذ نراهما دائماً في الأعمال الرحبانية؟
لأن كلاً منهما يقدم دوره بإمكانيات كبيرة.. وبالنسبة إلى غسان، فقد قدم أول أدواره في أعمال منصور الرحباني، واليوم، وبعد كل تلك السنوات، سوف نشاهد سيف البحر أكثر نضوجاً ومعرفة بالمسرح وأسراره.
من التي ستجسد ميرا؟
«ميرا، سوف تكون هبة طوجي، التي سبق أن شاهدناها، وأبدعت العام الماضي في مسرحية عودة الفينيق، ولعل عمرها وصوتها وشكلها هي عوامل أساسية في حسم بطولتها لهذا العرض المسرحي.
شاهدنا هبة في فيديو كليب لأغنية متل الريح من مسرحية عودة الفينيق، ألا يشكل ذلك سابقة في المسيرة الرحبانية؟
أتصور بأنها المرة الأولى التي ينتج فيها فيديو كليب، من خارج إطار صورة المسرحية.. ولأن هبة يومها كانت تحقق الإطلالة الأولى في حياتها، وبطلة لعمل كبير مثل عودة الفينيق، أراد أسامة إنتاج فيديو كليب قبل المسرحية.
ولم يقتصر الأمر على هبة فقط، بل كان هناك كليب آخرلأغنية حامل عطر بلادي بطله غسان صليبا.
ماذا عن التكلفة بين عامي 1987 و2009؟
من الطبيعي والمؤكد أن كل شيء يزداد سعره وترتفع تكلفته مع مرور السنوات، لكن الأكيد أن بطاقة الدخول لم يتغير كثيراً، إذا ما قلنا إنها بقيت على حالها. وبالطبع الديكورات والأزياء والتسجيل والمؤثرات ارتفعت تكلفتها بشكل كبير.
ولا بد من القول إن إعادة تقديم صيف 840 بحلة أخرى، كما لو أننا ننفذ عملاً مسرحياً جديداً. فالذي بقي حاله هو النص والموسيقى، بينما العناصر الأخرى كلها تغيرت.
بعد رحيل الكبير منصور، هل يستمر هذا الزخم الرحباني في تقديم الأعمال المسرحية الغنائية والملحمية؟
لا شك بأن الخسارة كبيرة جداً، ولا تعوض، لكننا بإذن الله مستمرون في أعمال جديدة مسرحية وغير مسرحية.
وهناك أفكار كتبها منصور منها ما كتب كسيناريو، وأخرى على شكل كتابات أولى. ونأمل أن نقدم ما كان يرغب منصور أن يراه على المسرح. طبعاً كل منا.. أسامة وغدي ومروان يحضر أعمالاً، أما المشاركة في عمل واحد، فهذا من الطبيعي حصوله.
إلى جانب المسرح ، هل نشاهدك مخرجاً في أعمال سينمائية مثلاً؟
كان هناك مشروع سينمائي مختلف يتم تحضيره، تأخرت فيه قليلاً، وإنشاء الله نعود إلى العمل لاستكماله، وسوف نتحدث عنه في الوقت المناسب.
بالعودة إلى الأسرة الرحبانية، حصل سجال في الآونة الأخيرة، حول الأخوين الرحباني، إلى ما انتهى هذا الجدل؟
منذ فترة طويلة، وقبل رحيل منصور، حصلت محاولات عديدة وجدية، للفصل بين الأخوين رحباني، وشارك بعض الأقلام عن سابق تصور وتصميم في ذلك.. وتصدينا نحن بحزم لذلك، ومع منصور يومها. قبل رحيل عاصي، لم يكن هناك لا عاصي ولا منصور، بل الأخوان رحباني، وعندما رحل عاصي في العام 1986، انتهت حقبة الأخوين رحباني، وبدأت حقبة منصور الرحباني منفرداً.
ولو رحل منصور قبل عاصي، لكان عاصي استمر بالطريقة ذاتها. هناك من راهن على فشل منصور، ولكن الأعمال الخالدة التي كتبها وحده من الوصية، وصيف 840، والمتنبي، وآخر أيام سقراط، وزنوبيا، وجبران والنبي، وملوك الطوائف، وحكم الرعيان، وصولاً إلى عودة الفينيق، حوالى 13 عملاً على الأقل كتبها منصور، كان خلالها يستمر بتجدد أكبر وانتشار أوسع، وهذا ماجعل البعض، انطلاقاً من غيرة شديدة،يعود إلى لعبة فصل الأخوين رحباني، التي لن نسمح بحصولها، وهي مجرد أضغاث أحلام، وأوهام مريضة، لأن الله جمع الأخوين رحباني روحياً، ولم يفرقهما إلا الموت.
ختاماً، مضى عشرون عاماً على عملك في مجال الإنتاج في دبي، لكن كثيرين ظنوا أنك تخليت عن ذلك، وتفرغت للعمل في الإخراج المسرحي، خاصة بعد وضع بصماتك على عدد من الأعمال الملحمية الضخمة، وآخرها عودة الفينيق؟
أبداً، على الإطلاق، إذ اننا مستمرون في شركة الرحباني في مجالات الإنتاج الإعلاني والوثائقي الذي هو أساس عملنا. وإلحاقاً بسلسلة الأفلام التوعوية التي نفذناها مثل: هذا هو ديني، والبركة بالشباب، وغيرها.. فإننا نعكف حالياً على إنتاج أفلام إعلانية للتوعية الصحية والتعليمية منتجات أخرى.
ملخص الحكاية
«صيف 840، مسرحية غنائية استعراضية تعتمدعلى وقائع، حدثت في عامية أنطلياس الشهيرة: اتفاق اللبنانيين على محاربة المحتل عام 1840. وفي أحداث، يجتمع (مشايخ العاميّة) كما تسمّيهم المسرحية في مار الياس ـ أنطلياس.
ويعلنون الثورة على الأتراك وعميلهم في المنطقة اليوزباشي (عساف الضاهر)، الذي يعيث فساداً وظلماً وتنكيلاً.
قائد الثوار (سيف البحر) يرى (ميرا) ابنة اليوزباشي، والمتعاطفة مع الثوار في ساحة أنطلياس فيقع في حبّها. في المشهد الأخير ينتصر الثوار اللبنانيون بقيادة(سيف البحر)، ويعود اليوزباشي مكسوراً، ويجلس عند قدمي ابنته (ميرا)، ويضع رأسه في حضنها، فتنظر إليه وتقول : (قَدّيشَكْ حلو يا بَيّي إنتَ ومهزوم).
بين عامين
عرضت مسرحية «صيف 840» قبل عشرين عاماً، وجسدت البطولة النسائية يومها المغنية هدى، شقيقة الفنانة فيروز، بينما أدى البطولة الرجالية الفنان غسان صليبا، إضافة الى أنطوان كرباج، وليم حسواني وآخرين.. وتم تقديمها على خشبة كازينو لبنان، ثم على مسرح قصر البيكاديللي زمن الطرقات والمناطق المقفلة على بعضها، قبل نهاية الحرب اللبنانية.
أما صيف 840 التي تستضيفها مهرجانات جبيل بين الثامن والثاني عشر من أغسطس المقبل، فهي من إخراج مروان الرحباني وبطولة هبة طوجي (بطلة -عودة الفينيق- التي عرضت في دبي أخيراً) مكان هدى، أما غسان صليبا وأنطوان كرباج ففي مكانهما،وتصميم الدبكات كما هو للفنان عبد الحليم كركلا. أما الجديد فيتمثل في الديكور، والملابس، والكوريغرافي(تصميم الرقصات).
دبي ـ إسماعيل حيدر
