مرت خمسون عاماً على اكتشاف حضارة ''أم النار''. وبهذه المناسبة، أصدرت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بالتعاون مع ''بريد الإمارات'' مجموعة من الطوابع التذكارية. وتأتي هذه الخطوة تنفيذا لإستراتيجية الهيئة في العناية بالتراث المادي والمعنوي للدولة، وتحقيق الأهداف المرجوة من المشروع الثقافي المتنامي لإمارة أبوظبي وإفساح المجال أمام إبراز أصالة التاريخ الإماراتي وعراقته.
وقد سميت هذه الحقبة بحضارة أم النار، نسبة إلى المكان الذي اكتشفت فيه للمرة الأولى، وهي جزيرة أم النار بالقرب من مدينة أبوظبي. وترجع في تاريخها إلى النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، حيث تم اكتشاف العديد من المواقع الأثرية، التي تخص هذه الفترة في المناطق الداخلية والساحلية من أرض الإمارات .
ويعود اكتشاف حضارة أم النار إلى سنة 1959، إثر حفريات قامت بها بعثة آثار دنماركية، وكذلك المسوحات التي قام بها علماء الآثار، والتي كشفت عن أدلة أثرية ساهمت بشكل كبير في تسليط الضوء على ثقافة السكان الأوائل للإمارات العربية المتحدة ونمط حياتهم، فقد عمل سكان الجزيرة منذ حوالي الفين و 500 إلى 200 سنة قبل الميلاد في مهنة الصيد وصهر النحاس، ومارسوا التجارة خارج حدود الجزيرة ليصلوا إلى بلاد الرافدين ووادي السند.
وتمكن سكان الجزيرة الأوائل من إقامة مستوطنات ممتدة نسبياً،وقد اكتشف علماء الآثار مقبرة تضم 50 مدفنا مبنيا فوق سطح الأرض بعض هذه المدافن دائري الشكل وهي مقسمة إلى غرف يتم الدخول إليها من خلال مداخل صغيرة، وتم تصميم كل غرفة لإيواء جثث عدة، وكانت المدافن في شكل قباب وتم بناؤها بواسطة حجارة، تم استعمال بعضها في ترميم عدد من هذه المدافن خلال السبعينيات من القرن الماضي.
كما تتزين الجدران الدائرية للمباني الكبيرة بزخارف ونقوش تمثل حيوانات المها والثيران والثعابين والجمال. كما تبين أدوات الصيد وشباك الغطاسين اعتماد سكان الجزيرة الأوائل على البحر كمصدر للغذاء ..ويبدو أن الأطوم أو عجل البحر كان من المكونات الأساسية في نظامهم الغذائي إلى جانب استعمال جلده وزيته .
وكشفت أعمال المسح والتحري الأثرية عن مواقع جديدة تعود إلى عصر أم النار والتي كانت محصورة من قبل في منطقتي هيلي وجزيرة أم النار فقط، ومن تلك المواقع موقع غناضة الذي يقع بين مدينتي أبوظبي ودبي، حيث تم اكتشاف مستوطنة كان أهلها يمارسون الصيد البحري بالدرجة الأولى.
وتشير أدلة اخرى إلى امتداد تلك الحضارة بالظهور في أماكن أخرى من أرض الإمارات، ففي عام 1986 تم اكتشاف مدفنين في منطقة المويهات في عجمان، تم تنقيبها من قبل فريق من إدارة الآثار في العين، وامتدادا لهذه الحقبة، فقد تم اكتشاف مستوطنة سكنية في قرية البدية الكائنة شمال مدينة الفجيرة.
كما تم خلال السنوات الماضية اكتشاف مواقع أخرى تعود إلى حقبة أم النار في أماكن متفرقة من أرض الإمارات مثل شمل في رأس الخيمة والدور في أم القيوين والصفوح وحتا في دبي ومليحة في الشارقة.
وكان للجهات الرسمية في الإمارة دور كبير في تسهيل مهام الباحثين والعلماء في الكشف عن المكنونات الحضارية للمكان حيث كانت هناك مراسلات منذ وقت مبكر بين حكومة أبو ظبي ومتحف موسغارد في الدنمارك للتنقيب في جزيرة أم النار أسفرت عن قدوم البعثة الدنماركية للآثار التي كانت تقوم بالتنقيب في كلا من البحرين والكويت وقطر والقيام بهذه التنقيبات المهمة والتي أماطت اللثام عن هذا الكشف الكبير.
أبوظبي ـ «البيان»
