هم جنود مجهولون لا نعرفهم ولا ندرك عظمة ما يواجهونه من خطر، وما أن تسأل عنهم حتى تجدهم متأهبين للعمل فلا تكاد أجسادهم تستنشق هواء الراحة حتى يستنفرهم دخان الحوادث ليكونوا من أوائل الواصلين إلى مكان الحادث أملاً بتوفير السلامة لكل من فيه، إنهم رجال الدفاع المدني الذين نذروا أنفسهم لإنقاذنا وحمايتنا من كل خطر قد يحيق بنا.
وتقديراً لجهودهم جميعا، كان لزاما علينا تسليط الضوء على تجاربهم، وأبرز المشاهد الإنسانية التي واجهتهم أثناء عملهم، فكان معهم هذا التقرير. يقول الرقيب جعفر غلوم محمد، الذي يعمل في الدفاع المدني منذ 16 عاما عن سبب اختياره العمل في الدفاع المدني: «اختياري لهذه المهنة كان نابعا من معايشتي لتجربة أخي رحمه الله والذي سبقني للعمل في الدفاع المدني. فقد أحببت هذه المهنة بكل ما فيها من مخاطر لأنها تمنحني فرصة إنقاذ أرواح الناس من الخطر، وحماية الممتلكات العامة والخاصة ولأجلها تركت دراستي التي استكملتها فيما بعد».
ويواصل: «عملنا في الدفاع المدني يشبه العمل في الجيش، فكما يحافظ الجندي على سلامة الوطن، نحن نحافظ على سلامة المواطنين والمقيمين ، وبقدر ما يواجه الجندي من خطر فنحن أيضا كذلك». وأضاف: «لقد مررت خلال فترة عملي بالعديد من الحوادث ولعل أبرزها هو حادث الباخرة الصومالية التي اشتعلت فيها النيران أثناء تواجدها في ميناء راشد حيث توجهنا إلى مكان الحادث بعد وصول البلاغ، وسبب الحريق كان عدم إغلاق العاملين في الباخرة لاسطوانات الغاز ما أدى الى اشتعال النيران في المطبخ. وبعد ولوجنا إلى الداخل اذكر أننا واجهنا خطر الموت حيث كانت الحرارة عالية والمكان مهددا بالانفجار لقربه من خزانات الوقود، والمشكلة التي واجهتنا كانت في عدم تمكننا من الخروج، إلا أننا تمكنا من ذلك عبر تتبع خرطوم المياه وبمجرد خروجنا من مكان الحريق دوى الانفجار، وفي هذه اللحظة شعرت بأن الحياة رجعت لنا مرة أخرى، بعد إن كدنا نفقدها». ويذكر جعفر انه دائم الحديث لأهله عن الحوادث التي يواجهونها لدرجة أنهم أصبحوا يعرفون انه في مهمة من خلال سماعهم لصفارة الإنذار التي تطلقها سيارات الدفاع المدني، ليبدأ بعدها سيلا من المكالمات على هاتفه المتحرك للاطمئنان عليه، ويتمنى جعفر أن يتمكن من توريث مهنته لابنه.
فقدان الزملاء
وعن تجربته يحدثنا الشرطي منصور محمد سالم، الذي يعمل في الدفاع المدني منذ ثلاث سنوات: «انضممت للدفاع المدني لرغبتي في العمل الميداني إلى جانب إنها تعطيني فرصة الدفاع عن الناس وحمايتهم من الخطر، لأن حوادث الحريق تحديدا كثيرا ما أدت إلى تشتيت العائلات فضلا عن نكبتها إذا فقدت احد أعزائها».
ويختزن منصور في ذاكرته العديد من الحوادث التي شارك فيها، ولعل أكثرها ألما كان حادث نخلة جميرا قبل افتتاحها، فقد كان احد الحوادث الكبيرة والخطيرة في دبي، وحول ذلك يقول: «اعتقد أنني لن أنسى ذلك الحادث أبداً ففيه فقدنا اثنين من زملائنا، فأذكر في ذلك اليوم انه تم استدعاؤنا من بيوتنا إلى موقع الحادث لمشاركة زملائنا في مكافحة الحريق لضخامته، وتم إخبارنا بأن زملاء لنا مفقودون وبمجرد وصولنا إلى الموقع دخلنا على الفور إلى المبنى للبحث عنهم.
حينها شعرت بأن الخطر يحيط بنا من كل مكان فعدا عن الحرارة العالية والدخان الكثيف، فقد انهار جزء من المبنى مما أدى إلى ضياعنا داخله، وفي هذه الحالة فضلنا الخروج لاستبدال اسطوانات الأكسجين التي نحملها خاصة وإنها قاربت على الانتهاء، ومن ثم العودة مرة أخرى إلى الداخل للبحث عن زملائنا الذين وجدناهم فيما بعد وقد انتقلت أرواحهم إلى بارئها».
ويشير منصور إلى أن فرقته المكونة من عشرة أشخاص قد تلقت تدريبات مكثفة على عمليات الإنزال والإنقاذ والإطفاء، ولذلك عادة ما يتم استدعاؤهم في الحوادث الكبيرة والخطرة، وقد سبق لهم المشاركة في مكافحة الحوادث في أبو ظبي وعجمان.
على خطى الوالد
أما الرقيب أول محمد علي عباس، فقال: «أعمل في الدفاع المدني منذ ثماني سنوات، واختياري لهذه المهنة كان تيمنا بوالدي الذي عمل رجل إطفاء في مطار دبي» ويستأنف: «اعتقد أن عمل رجل الدفاع المدني يشبه الطبيب فكلاهما يساهم في إنقاذ أرواح الناس وحمايتها من الخطر».
ويذكر لنا محمد أن أبرز الحوادث التي واجهها كان حادث المستودعات في منطقة القوز، حيث واجه فيه فريق العمل الخطر لعدم معرفتهم بطبيعة المواد الموجودة بداخل المستودعات، وحول ذلك يقول: «في يوم الحادث تم استدعاؤنا من بيوتنا، وبالفعل بعد وصولنا إلى المكان بدأنا بمعاينته لأنه لا يمكن لنا دخول المستودعات ونحن لا ندرك طبيعة المواد الموجودة بالداخل ومدى قابليتها للاشتعال.
وأذكر أنه كان يوجد بعض العمال المحاصرين في الداخل، وتمكنا من إخراجهم وتسليمهم إلى المختصين الذين تولوا عملية إسعافهم»، ويواصل: «أحاول دائما نقل خبرتي في الدفاع المدني إلى عائلتي والمحيطين بي، وذلك حتى تكون لديهم خلفية يرتكزون عليها في حالات الطوارئ، وحتى تكون محفزة لهم لرفع مستوى الأمان والسلامة في كل شيء يقومون به».
ويواصل: «بالنسبة لي يكفيني دعاء الناس لنا وتوصيات المقربين منا بضرورة العودة إليهم سالمين، ولذلك لا نحاول وزملائي الاستناد في عملنا على البطولة أو المغامرة بقدر التركيز والمعرفة التي تساعدنا في توفير الحماية للجميع».
وراثة المهنة
ورث الشرطي أول ماجد غازي المدني مهنته هذه عن والده الذي يعتبر احد مؤسسي الدفاع المدني في دبي، وقد ساعدته نشأته في الدفاع المدني على احترافها، فكثيرا ما رافق والده أثناء تنفيذه للمهمات وهو ما أعطاه المجال للاقتراب من الدفاع المدني، ومنحه فرصة الحصول على العديد من الدورات التدريبية مثل النزول من المروحيات وكيفية إخلاء المباني المرتفعة وغيرها.
ويذكر لنا ماجد أن ابرز الحوادث التي واجهها كان في شارع الشيخ زايد، حيث شبت النيران في مبنى قيد الإنشاء، وفي ذلك يقول: «في ذلك اليوم تلقينا بلاغا حول اندلاع حريق في الطوابق مابين 10 و19 بإحدى المباني العالية المطلة على شارع الشيخ زايد، وان هناك عددا من العمال محجوزين بداخله وكانت الساعة عند وصولنا إلى المكان تشير إلى الثانية ظهرا، وعلى الفور تم توزيعنا على مجموعات صغيرة لكل واحدة منها مدخل معين.
بالنسبة لي فقد بدأت بالصعود إلى الأعلى، وبعد وصولي إلى الطابق التاسع فوجئت بأن الطريق مغلق، إلا أنني تمكنت من اختراقها ومواصلة الصعود، والبحث عن الأشخاص المحاصرين، وقد وجدت مجموعة من العمال منتشرين في طوابق مختلفة.
وبدأت بقيادتهم للأعلى بعد أن أوضحت لهم بأن لدي الخبرة وإنني قادر على نقلهم، وطلبت منهم ضرورة التعاون معي والعمل بسرعة حتى نتمكن جميعا من الخروج، وبالفعل تمكنت من إنقاذ نحو 50 شخصا وصعدت معهم إلى الطابق 36، وتم استدعاء مروحية لنقل المصابين، واذكر إنني نزلت عن المبنى بعد مرور خمس ساعات»، وأشار ماجد إلى أن لديه اثنان من إخوانه يطمحون إلى العمل في الدفاع المدني، وهم حاليا بانتظار الموافقة على التعيين.
44 % انخفاض الحرائق بدبي خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2009
أكد اللواء راشد ثاني المطروشي، مدير عام الدفاع المدني في دبي على أن استراتيجية الدفاع المدني المتمثلة في الارتقاء بالبنية الأساسية للوقاية والسلامة في المباني، ورفع قدرات فرق الإطفاء والإنقاذ، واتساع دائرة التوعية الوقائية، حققت نتائج ملموسة خلال الفترة الماضية.
انعكست على انخفاض عدد الحرائق وحجمها حيث أشار إلى انخفاض عدد الحرائق في دبي بنسبة 44% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2008، حيث شهدت الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام وقوع 130 حادث حريق مقارنة بـ 233 حادث حريق عام 2008.
وأشار المطروشي إلى أن العوامل التي ساهمت في خفض عدد الحرائق تعود إلى مشروع السلامة أولا والذي استهدف إزالة كافة المخالفات التي تهدد السلامة العامة في المستودعات والمصانع ومساكن العمال الدائمة والمؤقتة، وتطبيق مشروع «دي سي ديب 24ظ7» الالكتروني للرقابة على مستلزمات السلامة في جميع المباني بدبي الذي شمل تفتيش 20840 منشأة ومبنى، وبلغ عدد المباني التي ربطت بالخدمة وتدار بواسطة غرفة التحكم مباشرة 3769 مبنى ومنشأة منذ تطبيقه في يوليو 2008 وحتى الآن.
وتوقع انخفاض معدلات الحرائق خلال العام الجاري نتيجة لافتتاح مراكز جديدة للدفاع المدني في مناطق بور سعيد والبرشا والليسيلي وتطبيق نظام الغرامات على المخالفين لإجراءات السلامة وبالتعاون مع دائرة التنمية الاقتصادية وبلدية دبي، وتدريب رجال الإطفاء والإنقاذ في معهد الدفاع المدني بالعوير من قبل مدربين منتدبين من كلية خدمات الإطفاء في بريطانيا والتوسع بمشروع «السلامة أولا» ليشمل قطاعات جديدة إلى جانب إضافة آليات جديدة إلى قوة الدفاع المدني.
غسان خروب


