طفلتي.. وردتي..عودي. لن أنسى ذلك المشهد الذي جمعني بطفلتي الصغيرة.. وردتي اليانعة الندية. كم كانت مشاعري حين أراك تجلسين في تلك البقعة المظلمة، تتحملين تفشي المرض القاتل المشؤوم في جسدك الصغير المنهك. أدركت يومها أنك تتمنين لو كنت طيراً صغيراً يسبح في سماء بلا حدود.. بلا هموم.. وبلا أحزان. كنت أراقبك تناظرين القمر وحيدة، تتصفحين ذكرياتك وتلفظينها واحدة تلو الأخرى. حياتك كانت ألواناً لكنها تحولت لحزن منذ أن أعلن ذلك الشبح حبه المسموم، منذ أن نظر إليك نظرة الموت وقرر النهاية.

كانت نظراتك تلاحقني ولتصرخ في وجهي قائلة: أنا طفلة صغيرة، يحمل قلبها هموماً كثيرة، براءتك كانت تتناثر حولي كرذاذ شلال منهمر، حياتك كانت تتلاشى أمامي كسراب، كدخان، ككابوس. كنت أشاهدك تمشين وحيدة في فناء منزلنا تناظرين الأطفال وهم يلعبون.. يتضاحكون..عيناك تراقصهم وهي غارقة في دموعها وأساها.

ابتسامتك الجميلة لا تفارقني، وشفاهك الوردية الذابلة مازالت تقتلني، مازلت أتذكرك يا وردتي، فأنت لم ترحلي يوماً، حاولت نسيان حزني عليك، حاولت أن أهجر حنيني إليك، حاولت تذوق طعم الفرح من بعدك، حاولت طرد رنة ضحكاتك، أدمنت على إغماض عيني لأعيش ذلك الظلام الدامس، ولأنام وأنساك. لكنك صغيرتي معي..

كحلم جميل لا أود الاستيقاظ منه. أختنق بالهواء كلما تذكرت يديك الصغيرتين، عينيك السوداوين الواسعتين.. مازلت صغيرتي أتجرع المرارة كلما زارني طيفك.. مازلت أذكر ذعرك يومها.. احتضنتك بكل قوتي وكأنني أتوسل ذلك الشبح ليترك ابنتي الوحيدة. مازلت أتذكر حرارة دمعك حين تركت يداك الصغيرتين يدي، مازلت ألتفت حين ينادي أحدهم اسمك.. مازلت أزور ذلك الشاطئ أبحث عن تلك الصدفات التي كنا نلتقطها معاً. مازلت أرسم وجهك على تلك الرمال التي مشيت إليها يوماً..

مازلت ومازلت صغيرتي أذكرك كم أفتقد رائحتك، كم أفتقد ضحكاتك.. رسوماتك، وكل ألعابك. كانت تلك همسات لوعتي لفقد طفلتي، عبارات كتبتها لأن هناك أمهات تموت من حزنها على فراق طفلها أو طفلتها بسبب مرض السرطان الذي مازال يقتل الكبار والصغار. إحصاءات الإمارات تشهد بأن 120 طفلاً يصابون بالسرطان سنوياً، و20% منهم دون الخامسة عشرة!

إن دولتنا من الدول المتحضرة، لكنها مازالت تفتقر لمراكز علاج الأطفال المصابين بالسرطان، مما يلقي العبء على الوالدين لأخذ أطفالهم للعلاج خارج الدولة، إن توفرت لديهم المصاريف اللازمة للعلاج.

إن دولتنا بحاجة إلى مراكز متخصصة، لعلاج ذلك المرض القاتل، الذي مازال يتنقل في منازلنا وشوارعنا، ناشراً الرعب، الذعر، الحزن، والألم. يقول المسؤولون إن الخطة الاستراتيجية لعام 2008 تتضمن فكرة إنشاء مركز متخصص لكنهم ليسوا على دراية بموعد البدء، ومازال الكثيرون بانتظار الفرج.

أمل عبد الرضا الموسوي ـ الإمارات