حين تجول الخواطر في بالي تعود بي إلى ذكريات الطفولة الساحرة، هناك حيث البساطة والتلقائية للفرح الطبيعي غير المكلف. لكن اليوم تبحر بي الذكريات باتجاه أمرين جميلين أحدهما يخصني والآخر لوالداي. الأمران يربطهما شريط واحد ينطلق من إذاعة وتلفزيون دبي حين كانا شبكة واحدة أو صلة مشتركة يتبعان لمحطة تلفزيون الكويت..

شريط يحملني إلى ذلك الأثير البعيد. أتذكر والداي وهما يصيخان السمع في وقت الظهيرة حيث الواحدة من بعد الظهر موعد مقدس، لا يسمح بتجاوزه أو إهماله، وفيه يفرض علينا الصمت والتوقف عن الصخب والعراك، وإن لم ننصع للتوجيهات فبيت الخال والعمة القريبان مفتوحان، لكن النظام هناك مطابق لنظام بيت الأسرة فالجميع مستعد لسماع وصلة كوكب الشرق أم كلثوم في الساعة اليومية المخصصة لإحدى روائعها.

كم كنا نستاء من طردنا وقت الظهيرة بسبب حرص والدينا على ساعة الاستماع تلك، وإبعادنا عن محيط البث، كنا لا نفهم حرص والدينا الذي هو حرص الناس جميعاً وقتها على هذه الساعة، وكنا لا نفهم ما تقوله كوكب الشرق، مع الوقت حققت هذه الساعة شكلاً من أشكال التهذيب لنا، بسبب رغبتنا في المكوث في البيت طالما كل البيوت تنتهج الصرامة نفسها على امتداد ساعة كاملة، صرنا نشارك والدينا الإصغاء بناءً على أوامرهما بضرورة التزام الهدوء، مع بوادر نضجنا استذوقنا ذلك الأداء الرخيم، والكلام النقي فاستحسناه وألفناه وانتظرنا الساعة الواحدة من كل يوم كما كان يفعل أهلنا.

كما أتذكر في تلك المرحلة من الطفولة الرائقة مشاركاتي تلميذة في أنشطة المدرسة الفنية والرياضية والمسرحية، أديت مع زميلات الفصل رقصات إيقاعية، وأناشيد وطنية وإنسانية، ومسرحيات هادفة نقلاً عن قصص عالمية كلها كانت أمام الكاميرا وعلى شاشة تلفزيون دبي، تلك القناة والإذاعة اللتان احتضنتا إبداعاتنا وحققت متعنا.

لكن كبرنا فتغيرت الأنشطة وبالطبع توقفت المشاركات ومنحت الأدوار لغيرنا، ولكن أيضاً توقفت الإذاعة وصمتت مع الأسف أم كلثوم، وفصلت عنا حين بدأنا نوثق ارتباطنا بشيء من الزمن الجميل. أتذكر ذلك وأنا أتساءل ليس عن توقف بث أغنيات أم كلثوم فحسب والتي كانت بصمة نبحث عنها اليوم كهوية وشخصية لإذاعاتنا، بل عن مصير أرشيف إذاعة دبي الزاخر بالوثائق المسجلة، والحاضن لذكرياتنا وتاريخنا صغيراً أو كبيراً!

ترى هل قُتل الأرشيف؟ ألا يعد هذا التعدي جريمة أودت بمخزون كان له أثر جيد وجميل كما أنه مرجع مهم؟ كيف لنا أن نصل إلى مادة صوتية مضى عليها ثلاثة عقود، إن كان قد أعدم الأرشيف؟ علماً أننا لو احتجنا إلى مادة من أرشيف إذاعة (البي بي سي) على سبيل المثال لوجدنا ضالتنا بسهولة ولو كان قد مضى على غايتنا عشرة عقود وأكثر وليس ثلاثة!

شذى محمد ـ الإمارات