لا يوجد أروع من لحظة إبصار العين للنور بعد سجنها لسنوات طويلة في ظلام دامس، ولعل أكثر من يقدرها هو المريض الذي عاش تلك اللحظة وكذلك الطبيب الذي أعلن بعد عملية جراحية عن حرية العيون مرة أخرى.

أنه شعور جميل يستفز دمع العين ليسيل في لحظة فرحة احتفالا بالحرية، قصص كثيرة ترويها تجارب من ساهموا بمبادرة نور دبي التي نجحت بإعادة النور لأكثر من مليوني شخص حول العالم. بدايتنا كانت مع استشارية العيون الدكتورة منال تريم، المديرة الطبية للمبادرة، التي حدثتنا عن تجربتها فقالت: لقد منحتنا المبادرة آمالا كبيرة بإمكانية تحقيق أحلامنا في مكافحة العمى داخل وخارج الدولة، وساعدتنا على مخاطبة شركاء عالميين كمؤسسة بصر العالمية، وهيئة الصحة العالمية والوكالة الدولية لمكافحة العمى والاشتراك في برامجهم. الأمر الذي وسع من آفاق المبادرة التي أكسبتنا خبرات جديدة عبر تعاملنا مع أطباء من مختلف دول العالم. ولعل أكثر ما ميز مبادرة نور دبي هو طبيعة الحالات الإنسانية التي ساهمت في علاجها، حيث كان لكل حالة قصة مثيرة للمشاعر.

وحول ابرز هذه الحالات تخبرنا د. تريم: لقد ضاعفت المبادرة من مسؤولياتنا كأطباء لأن عملنا يفرض توفير العلاج للمريض، وأصبحنا معها مسؤولين عن مرضى موجودين داخل وخارج الدولة، ومسؤولين عن تطبيق استراتيجية معينة تحتم علينا معالجة اكبر عدد ممكن من المرضى الذين يأتون إلينا بتوقعات عالية.وعلينا أن نرضي توقعاتهم، فهناك أناس أصيبوا بالعمى لفترات طويلة، ومنهم عجوز يمنية قضت نصف عمرها وهي لا ترى، واستطعنا بحمد الله أن نلبي توقعاتها، واذكر إنها قالت بعد انتهاء العملية «الآن استطيع رؤية أحفادي». ومن ابرز الحالات التي أذكرها، حالة شاب فلسطيني زار العديد من الأطباء بحثا عن العلاج لدرجة انه وصل إلى روسيا ولكن بلا فائدة، وتمكنا من توفير العلاج له رغم صعوبة حالته.

وبحسب آخر التقارير فقد تحسن نظره بنسبة 70% وهذاأحدث فرقا كبيرا في حياته. ومن بين الحالات الاخرى التي وصلتنا، طفلة عراقية كانت تعاني من مرض المياه البيضاء الوراثية، وأخبرتني والدتها أن طفلتها أصيبت بالمرض وهي بعمر سنتين، وبسبب أوضاع الحرب في العراق فقد أجريت لها العملية لدى طبيب عيون عام ولم تكن بالجودة المطلوبة لقلة الإمكانيات، وقمنا بزرع عدسة جديدة لها مكنتها من الاستغناء عن النظارة. وقبل أيام اتصلت والدة الطفلة لتخبرنا بأنهم اكتشفوا ذات المرض لدى ابنها الصغير، وانها تريد إحضاره لنا لنجري له العملية لملاحظتها الفرق في طفلتها. مواطنة في مخيمات طبية: لقد كانت د. منال تريم الطبيبة، المواطنة الوحيدة التي سافرت للعمل في المخيمات الطبية التي اقامتها المبادرة خارج الدولة، وحول ذلك تقول: لقد اكتسبت خبرة عالية في المخيمات الطبية، من حيث توفير العلاج في ظروف صعبة، وكيفية انجاز العمليات على مولد كهربائي، لقد كانت تجربة رائعة رغم صعوبتها.

في المخيمات كنا نقوم بعد الحصول على الموافقات اللازمة بإيفاد طاقم طبي مختص لإجراء مسح طبي شامل للدولة نتعرف منه على الأمراض التي يمكن علاجها بالمخيم، ومن ثم اختيار المكان الذي سيقام فيه، واذا كان المقر في مدرسة كنا نقوم بتحويل اكبر غرفها إلى مقر للعمليات بعد تعقيمها وتغطيتها بالكامل. ورغم توفر كل شيء من معدات وأجهزة وحتى المياه إلا أن العمل لم يكن سهلا، فهو مختلف تماما عن المستشفى.

عيون مليئة بالفرح

وعن تجربته يحدثنا د. صالح سيف المصعبي، استشاري العيون في مستشفى الشيخ خليفة بأبوظبي، والذي شارك متطوعا في المبادرة، حيث قال: كنا سعداء لسماعنا خبر اطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للمبادرة، فطالما مثلت حلما لنا جميعا، فعدا عن الاعداد الضخمة التي قمنا بعلاجها تكمن الروعة بأنها مهمة وطنية، وبتقديري أن الاستجابة لها يعتبر عملا وطنيا، لأن القصص التي شهدناها في نور دبي لا يمكن أن يتسعها أي كتاب.

فلكل واحدة منها فرادتها، ولا يمكن تخيل كم الذين مست المبادرة قلوبهم بعمق خاصة وأنها وفرت لهم أفضل العلاجات السريرية مجانا، وبالنسبة لي رأيت إعدادا كبيرة من المرضى القادمين من فلسطين والعراق والصومال والذين افقدتهم الحرب بصرهم، كانت عيونهم مليئة بدموع الفرحة بعد نجاح عملياتهم، في المقابل لم يكن على ألسنتهم سوى كلمات الشكر والتقدير لصاحب هذه المبادرة العظيمة.

ويؤكد د. صالح بأن المبادرة فتحت أفقا جديدا لأطباء العيون المواطنين لإظهار مهاراتهم وتقديم خبراتهم في العالم، وخاصة في الدول التي تعاني من نقص في الرعاية الصحية بسبب الفقر والحروب، فضلا عن سماحها لهم بالاتصال المباشر مع العديد من زملائهم والاستفادة من خبراتهم في هذا المجال.

وأشار إلى أن أحد أكبر الإنجازات التي حققتها المبادرة تمثل في رفع الوعي لدى الناس سواء داخل أو خارج الدولة للوقاية من العمى، وهو ما يمثل جوهر المبادرة.

معايشة الحالات الصعبة

أما د. مليكة الفلاسي، استشارية العيون في مستشفى دبي والتي كانت ضمن الفريق الطبي المشارك في المبادرة، فقالت: استطاعت نور دبي أن تقوم بعمل جيد وان تقدم الخدمة للجميع خاصة الاطفال، في المقابل وفرت لنا الفرصة لاكتساب خبرات أكبر، ومعايشة حالات صعبة لم يسبق لنا مشاهدتها.

كما سمحت لنا مواجهة الوقت حيث كان علينا معالجة أكبر عدد ممكن من المرضى في وقت محدود، ولمست مدى رغبة الأطباء المواطنين والمقيمين لتقديم المساعدة، الى جانب مساهمتها بتعريف المواطنين والمقيمين في الدولة بوجود اطباء ذي خبرة عالية في هذا المجال، وامكانية توفر العلاج في الدولة، ما يوفر عليهم عناء السفر الى الخارج.

وتواصل: خلال عملي رأيت الكثير من الأطفال الذين يعانون من مرض الحول، واستطعنا توفير العلاج اللازم لهم وكذلك متابعتهم داخل دولهم عن طريق أطباء مشرفين عليهم، وأبرز الحالات التي أذكرها هي حالة الطفل الباكستاني أحمد، حيث كانت نسبة رؤيته لا تتعدى 5%، وبعد العملية ارتفعت إلى 40%، وهذا يعد انجازا كبيرا. لقد أصبح من الضروري البدء في إنشاء مستشفى خاص للعيون داخل الدولة، لأن ذلك سيمكننا من مكافحة امراض العيون على الاقل داخل الدولة.

شروق وأحمد.. نور دبي عززت من حبهما للتطوع

استقطبت نور دبي العديد من المتطوعين المواطنين والمقيمين للعمل فيها، وقد منحتهم تجارب جديدة لم يسبق لهم خوضها، ومن هؤلاء كانت المواطنة شروق البنا، الإدارية بقسم التعليم المستمر في هيئة الصحة بدبي، والتي لم تكن تدرك بأن عملها التطوعي في نور دبي سيتجاوز المدة المحدودة التي وضعتها لنفسها.

فقد شدها العمل كثيرا لتجد نفسها مستمرة مع المبادرة حتى نهايتها، حيث كان عملها منسقة مسؤولة عن الاتصالات مع الهيئات والمنظمات الدولية، وكذلك تنسيق الرحلات بالتعاون مع اللجنة اللوجستية، كما أوكلت إليها مهمة كتابة الرسائل الرسمية والتنسيق مع شركة العلاقات العامة التي تروج للمبادرة إعلاميا.

تقول شروق عن تجربتها هذه: لقد استحوذت المبادرة على جميع وقتي وحياتي، ومنحتني فرصة لاكتساب خبرة جديدة من خلال احتكاكي مع فريق العمل، وتعلمت منها كيف تكون إدارة الوقت، لأن جميع المهمات كانت تعتمد على وقت محدد لا يمكن الاستهانة فيه، ولا أنكر إنني في البداية عانيت من صعوبة التأقلم مع العمل، ولكن مع مرور الوقت أصبحت أكثر حرفية من ذي قبل.

اقتربت شروق أثناء عملها في المبادرة من المرضى كثيرا، فكانت على اطلاع مستمر على أوضاعهم، وحول ذلك تقول: في إحدى الفترات عملت مع الفريق المكلف بالاتصال مع المرضى لإعلامهم بخبر الموافقة على استماراتهم، وفي كثير من الأحيان كنا نبكي على الهاتف لشدة الفرح الذي يغمر المرضى، وكنت اشعر بأننا نمنحهم أملا جديدا في النور الذي يبحثون عنه منذ زمن، وكذلك كنا نزور المرضى في المستشفيات للاطمئنان على أحوالهم ومراعاة احتياجاتهم، وهذا جعلني على تواصل دائم معهم، وحتى الآن هناك الكثير من المرضى الذين انهوا علاجهم يتصلون بي للاطمئنان وللشكر، ولعل أكثر ما شدني بين المرضى هم الأطفال الذين كانوا يريدون اللعب والرسم بعد عودة نظرهم مرة أخرى، ورأيت السعادة في عيون الأطفال وحتى الكبار أثناء اصطحابهم إلى الأماكن السياحية في الدولة، فألسنتهم جميعا كانت تلهج بالدعاء والشكر لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد صاحب هذه المبادرة. لقد اكتشفت من خلال نور دبي مدى قربي من الناس واستعدادي لمساعدتهم حتى لو كان على حساب نفسي.

في المقابل، يقول المواطن أحمد مسلم، رئيس شعبة التذاكر والجوازات في قسم خدمات الموظفين بإدارة الشؤون الإدارية التابعة لهيئة الصحة بدبي، والذي رافق الفريق الطبي أثناء رحلته إلى النيجر: كانت هي المرة الأولى التي أتطوع فيها، حيث طلب مني في مارس الماضي مرافقة الفريق الطبي إلى النيجر لمساعدتهم في المخيم الطبي المقام لعلاج مرضى العيون. وعلى مدار الفترة أذكر أنني عشت تجربة رائعة جدا بخلاف بقية المتطوعين الذين عملوا في المبادرة، حيث فتحت أمامي الأبواب لزيارة منطقة نائية وفقيرة جدا تقع في نهاية الصحراء الكبرى لتقديم المساعدة لأهلها، إلى جانب أنها سمحت لي بالاحتكاك مباشرة مع المرضى، الأمر الذي ترك في نفسي انطباعا مثيرا، لم أكن لأدركه لولا نور دبي.

ويضيف: خلال إقامتي في المخيم رافقت د. منال تريم أثناء قيامها بفحص المرضى الذين جاؤوا من مختلف مناطق النيجر بحثا عن العلاج، وكان المخيم عبارة عن مدرسة حولت غرفها إلى عيادات لفحص المرضى وتحديد مواعيد عملياتهم، ومن يتم اختياره توضع علامة على عينه المراد علاجها، وخلال عملي رافقت المرضى إلى غرفة العمليات التي كانت تتسع لست أشخاص، تجرى لهم العمليات في وقت واحد، وبعد انتهاء العملية كان يتم تحويل المريض لغرف الراحة، وفي اليوم التالي يتم رفع الضمادات عنهم لرؤية نتيجة العملية، لقد شهدنا الكثير من المواقف المؤثرة في اللحظات التي يعلن فيها الطبيب عن نجاح العملية واستعادة المريض لنظره، خاصة وان الكثير من المرضى عاشوا فاقدي البصر لسنوات طويلة. لقد حفزت زيارتي للنيجر الرغبة بالتطوع، وأنا على استعداد تام لخوض التجربة مرة أخرى.

إضاءة

تقول د. منال تريم: لم يقتصر عمل المواطنين في المبادرة على الجانب الطبي فقط، وإنما شمل لجان أخرى مثل اللوجستية التي تولت عملية التنسيق للمرضى والأطباء القادمين من خارج الدولة، والإدارية التي تولت مهمات تطبيق الاستراتيجية التي وضعها المكتب التنفيذي للمبادرة، والاتصالات مع الشركاء العالميين.

وتضيف: أن المبادرة استقطبت في بدايتها أكثر من 20 طبيبا من الخارج بالإضافة إلى أطباء مواطنين ومقيمين في الدولة لإجراء عملياتهم داخل الدولة، إلى جانب 50 طبيبا آخرين رافقوا المرضى القادمين إلى الدولة، لمساعدتنا في اختيار المرضى، والمشاركة في علاجهم عبر مرافقة الأطباء الآخرين في غرف العمليات، ومتابعتهم بعد عودتهم إلى أوطانهم وإرسال التقارير الدورية لنا حول أوضاعهم بعد العلاج. وتذكر لنا: إن الفريق الطبي في المخيمات كان يقوم يوميا بفحص أكثر من 3000 مريض إلى جانب إجرائه لآلاف العمليات الجراحية فيه، في حين أن العدد قد لا يزيد عن 60 مريضا في المستشفى، ولكن رؤية فرحة المرضى ونجاح العمليات كان يبعث الراحة في نفوسنا.

غسان خروب