كثيرة هي الأماكن التي يرتحل إليها البشر لطلب رزقهم، وقليل ما تربطهم هذه الأمكنة بحكايات وتجارب تترك أثرها في حياة الفرد لتصبح مع الأيام قصصاً وروايات يرويها أصحابها للآخرين، منها قصص البحر والسفر بعيدا بحثا عن الرزق، ففي الماضي كان الصيد هو مصدر الرزق لكثير من الناس.

وكان البحر هو الملاذ بل ومكان هذا الرزق، من هؤلاء الصيادين الذين عاشوا طويلا مع البحر ولهم ذكريات طويلة الصياد عبيد خلف محمد الزعابي الذي بدأت حياته مع البحر عام 1958 مع والده وأخيه على قارب صغير كان مصدر رزقهم، ظل هذا القارب يحملهم كل صباح إلى عرض البحر للبحث عن مكان الأسماك، التي كانت تارة تغدق عليهم بالخير وتارة أخرى تعيدهم بخفي حنين. إلا أن البحر كان للزعابي الصديق الذي لازمه طيلة العمر، تعلم منه الجلد والصبر والصمود، لذلك نرى هذه الصفات موجودة لدى جميع الصيادين فهم يتميزون بالصبر وتحمل المشاق خاصة في تعاملهم مع الآخرين.

في لقاء «البيان» مع الصياد عبيد الزعابي في مدينة كلباء روى لنا مقتطفات سريعة عن حياته التي قضى ما يزيد عن نصف قرن منها في بحر كلباء.

رحلة عمر

يقول الزعابي في بداية حديثه انه انفصل عن أخيه في مهنة الصيد في منتصف الثمانينات، بعد أن كبر أبناؤه الأربعة وتعلقوا بمهنة أبيهم في البداية كهواية ثم أصبحوا متفرغين لها، واليوم يديرون 15 قارباً جميعها تعمل في مجال الصيد، وعن ذكرياته في البحر يواصل بقوله: رحلاتي إلى البحر غالبا ما تبدأ في الصباح الباكر أو في ساعات متأخرة من الليل.

وخلال تلك الرحلات الليلية ألجأ إلى الأماكن التي يتجمع فيها السمك فأسلط عليها أضواء المصباح اليدوي بهدف الكشف عن أماكنها في المياه تحت الظلام الدامس، فمن غرائز السمك التجمع حول مصادر الضوء ليسهل بعد ذلك اصطيادها، أما في الليالي الذي يكون فيها القمر كاملا يصعب فيها صيد السمك، فهو يختار أماكن مظلمة من القاع، لذلك يخرج الصياد في مثل هذه الأيام مع الساعات الأولى من الفجر أو الصباح أو عند الظهيرة.

وهناك أوقات مفضلة للصيد خلال فصل الشتاء وخاصة وقت الظهيرة، عندما يصعد السمك إلى سطح الماء هرباً من برودة المياه في قاع البحر، والصياد لا يرتبط عمله بساعات محددة، ولكنه يرتبط بمقدار ما يحصل عليه من أسماك، فإذا رزقه الله بالخير يعود إلى الشاطئ لبيعه، وإلا ظل مستمرا في عمله حتى يمنحه الله رزقه.

«القيظ» وحفظ الأسماك

وعن فصل تكاثر الأسماك أو انخفاضها يقول: معروف عن فصل الصيف أن الأسماك تقل، وتقتصر على أنواع معينة مثل «البياح» و«القوران» و«سمك البر» و«سمك الخور» و«اليريور» و«العوال» ذلك بسبب الحرارة الشديدة التي تدفع بالأسماك إلى الهجرة لعرض البحر، في حين أن موسم الوفرة والأسماك ذات الطعم اللذيذ يبدأ مع موسم المطر من شهر أكتوبر حتى شهر فبراير ويتواجد أفضل أنواع الأسماك مثل «الشعري» و«الكنعد» و«الصال» و«الخباط»، وكل هذه الأنواع من الأسماك لها طريقة حفظ خاصة.

ولكن سمك «العوال» له طريقة تختلف إذ يتم تجفيفه بالملح وذلك لأكله في الشتاء، وتستعمل هذه الوسيلة في موسم الوفرة والذي تزيد فيه كميات الأسماك عن الحاجة اليومية من السمك، وطريقة المالح هي من أقدم الصناعات التي عرفها أهل الإمارات في حفظ وتعليب الأسماك.

وتعتبر الأكلة الشعبية المفضلة لكثير من أهل الخليج لاسيما سكان السواحل الذين يعتمدون على الصيد كمهنة رئيسة، ويزداد الطلب على أكل المالح خلال أيام الصيف (القيظ) نظرا لارتباط هذه الأكلة منذ القدم بهذا الموسم من السنة بالإضافة لوفرة الأسماك خلال فترة مطلع الصيف ونهاية الشتاء، وكان المالح ولا يزال واحدا من أهم مصادر الرزق الرئيسة لصيادي الأسماك.

وعلى الرغم من التطور المذهل الذي حصل من صناعة تعليب وتجفيف وحفظ الأسماك إلا أن الناس لا تزال تفضل الطريقة التقليدية لهذه الصناعة، والتي تعتمد على اختيار «الكنعد» و«القباب» كأفضل أنواع السمك للمالح لتعليبها في علب بلاستيكية بكميات محددة من ملح البحر بعد عملية التقطيع والتنظيف، كما أن هذه الأنواع من الأسماك تحمل طعما سائغا وشهيا إلى جانب قدرته على مقاومة الحرارة وعدم اهتراء لحمه بسهولة خلال فترة التعليب التي تمتد إلى عدة أشهر.

تعليب الأسماك وحفظها

ويضيف الزعابي إلى جانب تعليب وحفظ الأسماك عن طريق المالح والتجفيف بالملح هناك طرق التجفيف تحت أشعة الشمس الحارقة للأسماك الصغيرة مثل «الجاشع» والذي لا يمتد لأكثر من يومين يتم من بعدها وضع السمك في أكياس لتسويقها إما في السوق المحلية أو إلى دول مثل سريلانكا وذلك لتزايد الطلب عليها.

وهذا النوع من السمك يتمتع بمرونة في الحفظ لفترات أطول تمتد إلى سنة، فبعد عملية التجفيف في الشمس والتنظيف تتحول هذه الأسماك الصغيرة مثل «العومة» و«البرية» إلى بودرة عن طريق طحن هذه الأسماك الجافة، لتحفظ بعد ذلك مبردة أو في علب لوقت الاستعمال.

كلباء ـ ابتسام الشاعر