رغم صغر عمرهم، إلا أنهم اجتهدوا كثيراً لحمايتنا جميعا من أخطار التلوث البيئي، خاصة في ظل الظروف الحالية التي نعاني فيها من انحباس حراري وارتفاع مستويات التلوث في العالم أجمع. إنهم الطلبة مريم الزرعوني، ومحمد جمال الزيان، وسماح كمال، الذين تخرجوا لتوهم في تخصص الهندسة الكيميائية من الجامعة الأميركية في الشارقة.

ولعل أكثر ما تميزوا به، هو خطوتهم لتنظيف محيطنا من أحد أنواع الغازات المنتشرة في الجو والتي تعتبر من أخطرها، حيث تمكنوا رغم خبرتهم البسيطة من الوصول إلى تقنيات جديدة تعمل على تنظيف الهواء من غاز «كبريتيد الهيدروجين» أو هيدروجين سلفايد المعروف اختصارا بـ و2َّ، والذي يتواجد عادة في الأماكن التي تحتوي على نفايات بكتيرية، ومجاري المياه، وخزانات التعفن ومخلفات المواشي، ومصاريف المياه الأسنة، والشاحنات التي تنقل النفايات والمخلفات الكيميائية، وكذلك في محطات معالجة مياه المجاري وغيرها. ويتوقع لهذا الجهاز الذي لم تتجاوز تكلفته الإجمالية عشرة آلاف درهم، الحصول على براءة الاختراع في الوقت القريب، بعد اعتماد النتائج التي حصل عليها اثر تجربته في قسم المجاري التابع لبلدية الشارقة.

نتائج مهمة: «البيان» التقت مريم الزرعوني، أحد أعضاء فريق العمل، والتي شرحت لنا مبدأ عمل الجهاز بطريقة مبسطة، حيث قالت: يهدف الجهاز إلى تقليل نسبة غاز «هيدروجين سلفايد» في الهواء، وهو غاز خطير جدا، حيث يمكن أن يؤدي إلى قتل الإنسان في حالة استنشاقه بكميات كبيرة، ومبدأ الجهاز يقوم على إدخال الهواء الملوث بغاز «هيدروجين سلفايد» من الأسفل ليخرج بعد معالجته باستخدام بكتيريا تعيش على هذا الغاز من الأعلى، وخلال عملنا على هذا الجهاز تمكنا من تطويع نوع من البكتيريا التي تعيش على هذا الغاز، إلى جانب ابتكار مواد جديدة تصلح لأن تكون مكانا تعيش فيه هذه البكتيريا. وتواصل الزرعوني: من خلال التجارب توصلنا إلى انه كلما كان الهواء رطبا كلما زادت عملية تنقيته، لأن الهواء الجاف يؤدي إلى قتل البكتيريا وهو ما سيؤثر على النتيجة النهائية، وحتى نتخلص من هذه المعضلة قمنا بإضافة قارورة ماء يدخل إليها الهواء جافاً ويخرج منها مشبعا بالرطوبة، وذلك تمهيدا لدخوله إلى الجهاز الذي يحتوي على مواد خاصة.

وقد اعتمدنا في عملنا على نظرية أن الغاز يرتفع إلى الأعلى ولا يمكن أن ينزل إلى الأسفل، وهذا ساعدنا على إدخال الهواء ليتغلغل بين المواد الموجودة داخل الجهاز، والتي تعمل على تنقيته من الغازات السامة، كما راعينا في الجهاز مسألة ضغط الهواء بحيث تكون نسبته عند دخول الهواء إلى الجهاز وخروجه منه متقاربة، لأن اختلاف الضغط سيؤثر على عمل الجهاز. وأشارت الزرعوني إلى أنه قبل البدء في تشغيل الجهاز يتم قياس كميات الغاز الموجودة في الهواء، وذلك لمعرفة النتيجة التي وصل إليها الهواء بعد معالجته داخل الجهاز، وأكدت أن التجارب التي قام بها فريق العمل، بالتعاون مع مسؤولي قسم المجاري في بلدية الشارقة، وتحت إشراف د. زروق شريف الدين والدكتور أحمد عيدان، قد أثبتت فعالية الجهاز وقدرته على تنظيف الهواء بنسبة عالية من غاز «هيدروجين سلفايد».وأضافت: إن فريق العمل لم يعتمد في نتائجه على مكان واحد فقط، وإنما تمت تجربة الجهاز في أماكن عدة من إمارة الشارقة، وفي أوقات درجات حرارة مختلفة.

اختيار الفكرة

وعن اختيار هذه الفكرة تحديدا، قال محمد جمال زيان، أحد أعضاء الفريق: لقد سبقنا إليها الدكتور زروق شريف الدين من قبل، حيث قام بإعداد بعض الدراسات حول ذلك، ولكن لضيق وقته لم يتمكن من استكمال دراساته، ولذلك قررنا نحن مواصلة الطريق واختراع هذا الجهاز، إلى جانب أن أجمل ما في هذه الفكرة هو إمكانية الحصول على نتائج واضحة وصحيحة تبين فعالية الجهاز.

وحول ابرز الصعوبات التي واجهها الطلبة قال زيان: من أكثر الصعوبات التي واجهتنا في المشروع هي عدم توفر المعلومات والدراسات الخاصة بهذا المجال، وتمكنا في التغلب على هذه المعضلة عبر الاستفادة من الدراسات التي قام بها مشرف المشروع الدكتور زروق شريف الدين، إلى جانب بعض المعلومات الأخرى التي وجدناها في الكتب والدراسات، وبناء عليها قمنا بإعداد الدراسة النظرية للمشروع بما فيها الحسابات الخاصة بنسب وجود الغاز في الهواء، أما العقبة الثانية فكانت تتمثل في الوقت.

حيث كان يجب علينا إعداد الدراسات النظرية للمشروع وتطبيقه خلال فترة وجيزة، حتى نتمكن من التخرج في الجامعة، وقد ساعدنا في ذلك كل من الدكتور زروق شريف الدين والدكتور أحمد عيدان، إلى جانب ما قدمته لنا بلدية الشارقة من مساعدة، بفتح المجال أمامنا لإجراء التجارب على الجهاز في بعض الأماكن التابعة لها، خاصة وانه لم يكن بالإمكان تجربة الجهاز داخل المختبر لخطورة هذا الغاز، إلى جانب ضرورة حصولنا على تصريح من إدارة المختبرات.

ويجب إجراء التجارب في وجود اثنين من الأساتذة المشرفين، وهذا كان غير ممكن لأننا كنا في صراع مع الوقت، بالإضافة إلى طموحنا في الحصول على نتائج واقعية. وأشار زيان إلى انه يمكن استخدام الجهاز في أماكن معينة مثل محطات التكرير، ومحطات تحلية المياه، ومحطات معالجة المجاري، وشركات تصنيع الورق، وغيرها، حيث يكثر في هذه الأماكن غاز هيدروجين سلفايد.

تحقيق الحلم

ومن جانبه قال الدكتور أحمد عيدان، مهندس استشاري في الهندسة الكيماوية في الجامعة الأمريكية في الشارقة، وأحد مشرفي المشروع: لقد تمكن هؤلاء الطلبة من تحقيق حلمنا جميعا، بالوصول إلى جهاز يعمل على تنظيف الهواء من غاز «هيدروجين سلفايد»، الذي يعتبر احد الغازات الخطيرة في الجو، وحاليا نحن نسعى للحصول على شهادة براءة الاختراع، خاصة وانه الأول من نوعه في الدولة والمنطقة، ويحتفظ الجهاز بميزات عدة منها عدم استهلاكه لكميات كبيرة من الكهرباء، وإمكانية تحويله إلى جهاز نقال يوضع في أي مكان ولا يشترط أن يتم تثبيته، بالإضافة إلى إمكانية تطويره ليقوم بعلاج الهواء من غازات أخرى بخلاف غاز هيدروجين سلفايد.

كبريتيد الهيدروجين

يعرف غاز «كبريتيد الهيدروجين» أو «هيدروجين سلفايد» على أنه «غاز الهيدروجين» لأنه غالباً ما ينبعث من عفن النفايات وله رائحة كريهة تشبه رائحة البيض الفاسد، ويوجد بصورة طبيعية في البيئة، وقد يتكون وينبعث حيثما تكون النفايات خاصة الكبريتية.

إلى جانب المجاري وخزانات التعفن والنفايات ومخلفات المواشي، والشاحنات التي تنقل النفايات والمخلفات الكيميائية قد تنبعث منها غاز كبريتيد الهيدروجين ويمكن أن يتواجد بالقرب من حقول النفط أو الآبار التي تتخلل الصخور الرملية، كما يوجد في الغازات النفطية والطبيعية، ويحتوي الغاز الطبيعي على 28% من غاز كبريتيد الهيدروجين. ويسبب ارتفاع مستويات غاز كبريتيد الهيدروجين الحساسية، وتهيج العين، والدوار، والكحة، وكذلك الصداع، وقد يؤدي إلى الموت عند التعرض له بكميات كبيرة.

غسان خروب