يعد العمل التطوعي وحجم الانخراط فيه رمزاً من رموز تقدم الأمم وازدهارها، كما أن الانخراط فيه مطلب من متطلبات الحياة المعاصرة التي أتت بالتنمية والتطور السريع في كافة المجالات، وللعمل التطوعي معوقات يجب تداركها، كما أنه يجب علينا تعزيز ثقافة العمل التطوعي والمحافظة على المتطوعين الذين يعملون فقط بدافع من أنفسهم.

تقول ميثاء الحبسي، مديرة برنامج تكاتف للتطوع الاجتماعي: إن تعقد الحياة الاجتماعية وتطور الظروف المعيشية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية المتسارعة، تستدعي تضافر كافة جهود المجتمع الرسمية والشعبية لمواجهة هذا الواقع وتلك الأوضاع، ومن هنا يأتي دور العمل التطوعي الفاعل والمؤازر للجهود الرسمية ويهدف برنامج (تكاتف) للتطوع الإجتماعي، الذي تأسس في ابريل 2007، بمبادرة من مؤسسة الإمارات للنفع الإجتماعي، والتي تعتبر من أبرز مؤسسات النفع الاجتماعي في الدولة، إلى رفع مستوى الوعي العام باحتياجات المجتمع، وتشجيع المشاركة في فرص التطوع المتاحة، وتمكين الأفراد، وتطوير مهاراتهم، وتشجيعهم على الالتزام بالعمل التطوعي، والانتماء لمجتمع الإمارات.

ألادولة الامارات سباقة في التأكيد على مبادئ التطوع، وغرس السلوك المتميز بين ابناء الدولة على يد مؤسسها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

كما أن النظم والتشريعات الاجتماعية دللت على أهمية التطوع ودوره في خدمة المجتمع، يدعمها بكل فخر واعتزاز صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ويفخر برنامج تكاتف للتطوع الاجتماعي برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد ابوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وترجمة رؤية سموه في إرساء ثقافة التطوع، وتطويرها كأسلوب حياة بين مختلف أفراد مجتمع الإمارات وتتمثل رسالة «تكاتف» في تحفيز الأفراد على العمل التطوعي، واستثمار الموارد المتاحة للقيام بأعمال تعبر عن المسؤولية الاجتماعية، وتهدف إلى تلبية احتياجات المجتمع الإماراتي.

تعزيز ثقافة التطوع: وتضيف الحبسي: البرنامج يعمل على تعزيز ثقافة التطوع، والاستفادة من الموارد المتاحة، وإيجاد الحلول الخلاقة التي تلبي حاجات مجتمع الإمارات، ويقدم للشباب فرصة التطوع في عدد من البرامج الإنسانية، والاجتماعية، والاستفادة من أوقاتهم بصورة هادفة.

وقد بدأنا في تعزيز ثقافة التطوع، بمشاركة وزارة التربية والتعليم، من خلال المدارس الثانوية، حيث قمنا بدور الداعم لطرح أفكارهم في هذا المجال وتنفيذها بأنفسهم، وكان المردود قويا، واخترنا المدارس الثانوية في البداية حتى نتعرف على النتائج بشكل أسرع ثم سيشمل البرنامج باقي المراحل في الفترة القادمة، وبدأنا في جامعة الإمارات، وهناك مباحثات مع جامعة زايد تمهيدا لنشر الفكرة في جميع جامعات الدولة.

وأضافت: حاولنا من خلال القطاع الخاص أن نجمع التبرعات لصيانة المدارس في المناطق النائية، وفي كل مدرسة يعمل من 100-200 متطوع مع الطلاب وهيئة التدريس من أجل نشر الوعي بثقافة التطوع وقيمة الوقت، ومن خلال أندية ثقافة التطوع، المنتشرة في المدارس والجامعات، سينضم المنتسبون لها لبرنامج تكاتف، وكل طالب أو شخص متطوع هو ناشر لثقافة التطوع في أسرته ومع أصدقائه والمجتمع الذي يحيط به، وهناك بالفعل تكريمات للمتطوعين من خلال عدد الساعات الفعلية التى أمضوها في التطوع، وقد تم بالفعل تفضيل هؤلاء في العمل في القطاع الخاص وفي الابتعاث للدراسة في الخارج.

وقالت الحبسي: نحرص من خلال البرنامج على أن نزرع في شخصية المتطوع المسؤولية والإلتزام والقيادة، وأن يكون سفيرا لبلده في الدول التي يذهب اليها لتنفيذ رسالتنا، ولكل متطوع سجل خاص به تسجل به الأعمال التي شارك فيها وعدد الساعات التي انجزها. كما نسعى أيضا لنشر ثقافة التطوع من خلال المؤتمرات وورش العمل والمنتديات وبرامج التوعية والأحداث اليومية، كما أن لدعم القيادة والإعلام دور كبير في انتشار رؤية ثقافة التطوع والحث على المشاركة فيها.

مشروع المتطوع الصغير

يوسف الكاظم، أمين عام الإتحاد العربي للعمل التطوعي وأمين سر عام مركز قطر للعمل التطوعي: يقول بدأنا بتشجيع العمل التطوعي في قطر في كل عام بحدث مميز في يوم التطوع العالمي، حيث يتم اختيار شخصية العام التطوعية بمشاركة الجمعيات، وفي شهر رمضان الماضي اخذنا التطوع بمنظور إسلامي، وبدأنا نرسخ مفهوم التطوع في محيطنا المغلق، ونكرم المتطوعين بأوسمة برونزية وفضية وذهبية حسب عدد ساعات التطوع، وهذا خلق نوعا من التنافس بين المتطوعين.

كما اننا نتجه الى شخصيات مؤثرة في المجتمع لتعزيز ونشر ثقافة العمل التطوعي، ومن خلال مشروع المتطوع الصغير استطعنا ترسيخ هذا المفهوم في نفوس الأطفال من خلال برامج ترفيهية وتعليمية حتى نخلق جيلا واعيا.

خالد حجاج، مؤسس موقع عالم التطوع العربي في الرياض يؤكد أنه أراد ان يكون الموقع المرجع الأهم للأعمال والدراسات التطوعية والمتطوعين في العالم العربي، والعمل على نشر ودعم وتعزيز العمل التطوعي وخدمة المجتمع، ونشر ثقافة التطوع وإبراز دورها في التنمية الشاملة للمجتمعات، والمساهمة في تطوير الأعمال التطوعية وتنظيمها وتوجيهها، ودعم الأهداف والبرامج الإنمائية الحكومية.

وعرض وإبراز الاحتياجات التطوعية والأحداث والطوارئ والكوارث الإنسانية والتفاعل معها، والشراكة الفاعلة مع المنظمات والهيئات والمؤسسات والجمعيات التطوعية ودعم جهود المسؤولية الاجتماعية للشركات، وتوجيه الطاقات الشبابية العربية لخدمة مجتمعاتهم، وتنمية قدرات ومواهب وإبداعات المتطوعين لخدمة مجتمعاتهم.

ويواصل خالد حجاج: أصبح التطوع ومدى انتشاره من أهم المقاييس التي يقاس عليها مدى تطور المجتمعات وتقدمها، حيث يعتبر العمل التطوعي الذراع التنموي الثالث للدول، من حيث مساهمة المؤسسات المدنية والأهلية في رقي مجتمعاتها ورفاهيتها، ونحن كشعوب عربية وإسلامية من أكثر الشعوب كرما وعطاء وحبا للخير والعطاء، وديننا الحنيف يحثنا على أن نستبق للخيرات، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ..} (المائدة: الآية48) {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ..} (73) سورة الأنبياء، ومن الحديث الشريف «خير الناس أنفعهم للناس».

عقبات العمل الأهلي

محمود حافظ، مدير إدارة الشؤون الاجتماعية في المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الإجتماعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يؤكد ان هناك عقبات تتصل بالعمل الأهلي الخليجي ذاته، حيث تبرز الحاجة إلى بناء قدرات جمعياته لرفع كفاءة العاملين والمتطوعين، وزيادة فعالية الجمعيات ذاتها لكي تتمكن من تحقيق أهدافها ورسالتها، وبما يحقق التفاعل مع احتياجات وأولويات المجتمع المحلي، فهناك حاجة إلى التدريب بالمنهجية التشاركية الحديثة، وبناء قواعد البيانات عن العمل الأهلي، وورش العمل والتشبيك، والإدارة الذاتية، وتمركز الجمعيات الأهلية في المدن والحضر دون الأرياف والبوادي، وغياب التنسيق والتعاون بين الجمعيات الأهلية نفسها.

وهناك مشكلات ترتبط بالبيئة الاجتماعية، وتتمثل في قضية انحسار وتراجع المتطوعين، وهي قضية ذات بعد عالمي ظهرت تحت ضغط الحياة اليومية وتعقدها وإشكالية التمويل والتحالف والتشبيك، وكذلك ما يتصل بدور فعال تلعبه مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، الأسرة، الإعلام، النادي، الجامعة...)، وهذا يأتي في إطار تعبئة الموارد كحقل لدعم ثقافة التطوع بوضعها ثقافة المشاركة.

وأيضا هناك عقبات مصدرها عدم توافر البيئة المهنية للعمل الأهلي في دول مجلس التعاون، وهي ترتبط بالتشريع الملائم وإزالة العوائق البيروقراطية. فهناك حاجة لتوفر بيئة مواتية من جانب الفاعلين السياسيين الرئيسيين لقيمة الدور الذي يلعبه المجتمع الأهلي وجمعياته، وضرورة إشراك المنظمات الأهلية في صنع السياسات، مما سينعكس على إحداث تغييرات في التشريعات الخاصة بالجمعيات الأهلية في دول مجلس التعاون.

اقتراحات وحلول وتوصيات

ويضع حافظ عدة تصورات وحلول، منها الحاجة إلى إجراء إصلاحات قانونية وتشريعية للقوانين والأنظمة واللوائح التي تحكم عمل الجمعيات الأهلية في دول المجلس بما يضمن استقلاليتها والفاعلية والمساهمة الأفضل في تنمية مشاركة وتيسير علاقاتها بأجهزة الدولة المعنية، وأهمية غرس وتنمية ثقافة التطوع في المجتمع إلى جانب ثقافة العطاء. فالأولى تتجه إلى بث روح المسؤولية الاجتماعية في المواطنين خاصة الناشئة والأطفال، والثانية تشير إلى الإسهام المادي أو التبرع لصالح تحقيق منفعة المجتمع.

كذلك يجب تشجيع الجامعات ومراكز الأبحاث والحكومات لتأسيس مراكز وطنية لبناء قدرات المجتمع المدني الأهلي من أجل تأهيل وتدريب المتطوعين، وتحديث قواعد بيانات الجمعيات الأهلية وتبادل الخبرات وتشجيع الشبكات التنموية، وحاجة إلى توجيه الاهتمام وبرمجته في خطة عمل بناء القدرات لدى الجمعيات الأهلية، بالتركيز على الشباب واستقطابهم للتطوع، والعمل على تدريبهم وتأهيلهم لتحمل مسؤولية قيادة العمل الأهلي. وكذلك دعوة وزارات التربية والتعليم إلى إدراج أساسيات ومبادئ العمل الأهلي والتطوعي في المناهج الدراسية، وضمن الأنشطة اللاصفية لطلبة المراحل المتوسطة والثانوية والجامعات، واحتساب ذلك ضمن درجاتهم بهدف حب التطوع وإعلاء قيمه.

ويضيف حافظ: والعمل على تطوير الشراكة وبناء الثقة بين الجهات الحكومية والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص باعتبار ذلك يحقق التكامل والتعاون في عملية التنمية الإنسانية المستدامة. وأهمية تأصيل الموجهات والمبادئ والقيم التي تحكم الجمعيات الأهلية مع عملية تزايدها وانتشارها وتنوعها، وذلك من خلال إعداد وصياغة ميثاق شرف أخلاقي يحدد فيه مسؤوليات وواجبات وحقوق هذه الجمعيات، والتزاماتها بتحقيق المصالح العامة، وضمان ممارسة الديمقراطية والشفافية، وإشراك المستفيدين في صياغة السياسات.

ودعوة الجهات الحكومية لعقد لقاءات مستمرة مع قيادات العمل الأهلي وجمعياته لمناقشة القضايا والمشكلات المتصلة في العلاقة بينهما بهدف تعميق المشاركة والشراكة لتحقيق أهداف التنمية بوصفها مسؤولية مشتركة بين الدول ومؤسسات المجتمع الأهلي. وإنشاء قاعدة بيانات ومعلومات شاملة عن الجمعيات والمنظمات الأهلية في دول مجلس التعاون لمعرفة مدى قوتها الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وقياس إسهامها في حسابات الدخل الوطنية من جهة أخرى.

إيمان قنديل