على الرغم من ارتفاع درجات حرارة الصيف لتتجاوز 40 درجة مئوية، إلا انه عادة ما تكون الفترة مزدحمة بالأنشطة المختلفة التي تحاول في مجملها تعبئة الفراغ الناجم عن الأجازات.

ومع بداية الصيف اعتادت مختلف المؤسسات الثقافية والمجتمعية في الدولة ومن ضمنها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث على تقديم برامج دسمة تغطي الجوانب الثقافية والمعرفية والاجتماعية المختلفة، وتصبح الدورات والمحاضرات التي تخدم شتى فئات المجتمع من الفعاليات الثابتة في أجندة هذه البرامج، ليبدو الصيف موسما خصبا لها. ومع اختزالها لسنوات طويلة من الخبرات المتراكمة وما فيها من فائدة، كان لا بد لنا من الاقتراب ممن يتابعون هذه الدورات لمعرفة مدى الفائدة التي تقدمها إلى المجتمع، وما هي طبيعة الجوانب التي لم تغطها هذه الدورات رغم كثرتها؟

من عمان إلى دبي

البداية كانت مع الدكتور مصطفى عدنان الدليمي، أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة السلطان قابوس بعمان، والذي جاء خصيصا لدبي للمشاركة ببعض الدورات التي يعقدها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث هذا الصيف.

حيث قال: أي دورة تقام تشكل في معطياتها فائدة لا غنى عنها، وبالنسبة لي اعتبرها تلاقحا فكريا وثقافيا بين المجتمعين، واعتقد اننا بحاجة لها حتى نستطيع المشي في أعمالنا على هدى واضح، خاصة أن الأعمال المكتبية والعملية لم تعد روتينية بل أصبحت تعتمد على رؤى ومناظير علمية معينة، ويضيف الدليمي: مشاركتي مبنية على حاجتي لها في عملي الذي لا يقتصر على التدريس فقط وإنما يتضمن متابعة خططي المستقبلية، وهذا بالطبع لا نجده في كتب العلوم، إنما في عقول المحاضرين، وفي المقابل يرى الدليمي بأنها تلبي رغبة كافة شرائح المجتمع لما فيها من تنوع من حيث العنوان والمحتوى.

تطوير الذات

وعن حاجته للدورات يقول صالح محمد آل علي، وهو طالب ماجستير ويعمل في قسم التوجيه المعنوي والشؤون الدينية بالقوات المسلحة: عادة أركز على الأشياء التي تنقصني خاصة في الجانب الإداري، ولذلك تجدني أتابع البرامج التي يقدمها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، إلى جانب مراكز أخرى في الدولة، واحتاج إليها لأنها تساعدني على تطوير ذاتي ودراستي وتزيد من معرفتي، فضلا عن أنها تمنحني الفرصة لأتعرف على أساتذة ذوي خبرات عالية والاستفادة منهم مستقبلا.

وأكد آل علي، الذي يعتبر نفسه متابعا جيدا للدورات والمحاضرات على أن مثل هذه الدورات تلبي رغبة الناس عموما، ولكن لكثرة مشاركاته فيها يرى بأن أفق الاستفادة منها بالنسبة له أصبح ضيقا لأن استحداث العناوين قليل جدا، وهو ما خلق أمامه تحديا في البحث عن عناوين أخرى غير مطروحة، مثل الإرشاد الزواجي، وتربية الأبناء، وتطوير الذات، وخدمة العملاء والتفكير الفعال، وغيرها لأن مثل هذه الدورات تساعد الشاب على تطوير ذاته وتكسبه الخبرة.

أما عز الدين الحسيني، مدير المجموعة الألمانية القابضة، فقال: الدورات هي مجموعة من الخبرات التي يقدمها المحاضر بطريقة سهلة وقصيرة، ويخرج منها الحضور بفائدة كبيرة، وبالنسبة لي أفضلها لأن فيها تعاملا مباشرا مع المحاضر ولذلك تأثير ايجابي على المتلقي، لأن لكل محاضر أسلوبه في إيصال المعلومة، كما أن السبب الرئيسي الذي يجذبني إليها هو أنها قادرة على إخراجي من الإحباط الناجم عن تراكمات العمل والحياة اليومية والتي يسميها علم النفس «منغصات الحياة»، إلى جانب انها تفيدني في برمجة حياتي اليومية، وبالتأكيد أن ذلك يؤثر على حياة وشخصية الإنسان ويعيد صقلها من جديد.

تكرار وخلو من الابتكار

وقال الحسيني ان المحتوى العام للدورات جيد، ولكنه يخلو من الابتكار سواء في العنوان أو المحتوى التي باتت مكررة في معظمها، مشيرا إلى أن التركيز خلال السنوات الأخيرة كان منصبا على العلوم الإدارية والتطوير الذاتي وغيرها، وطالب بضرورة دمج مواضيع الدورات بحيث تكون اجتماعية إنسانية، وانتقد الحسيني اعتماد المحاضرين في أمثلتهم على التجارب الغربية في حين يمكنهم استمدادها من بيئتنا العربية، مؤكدا على أن ذلك سيساهم في توضيح الصورة أمام المشاركين في الدورة.

وعن رأيها فيما تطرحه المؤسسات الثقافية من دورات ومحاضرات مختلفة، قالت الأستاذة فاطمة الرشيد، نائب المدير العام للمدارس الأهلية الخيرية، مديرة المدرسة التأسيسية بدبي: اهتم بالدورات لأنها تخدم مجال عملي في الدرجة الأولى، كما انها تساهم في زيادة معرفتي في ظل التقدم العلمي الذي يعيشه العالم، وبالتأكيد انها تتيح لنا الفرصة للتعرف على ما يحيطنا ويساعدنا على تحقيق أهدافنا.

وواصلت: رغم كثرة الدورات التي تطرح في الدولة، إلا اننا ما زلنا بحاجة لدورات متخصصة تعرفنا على الثقافات الموجودة على أرض الدولة، وكيفية التعامل معها والاستفادة منها، وتبيان أثرها على ثقافتنا العربية والإسلامية، بالإضافة إلى حاجتنا لدورات موجهة لجيل المراهقة، لأن هذه المرحلة تعتبر الفاصل في مرحلة الشباب لما تشهده من تحولات جسدية ونفسية والتي تنعكس على الشاب نفسه.

جسور التعاون

ومن جهتها قالت أسماء إبراهيم، رئيسة جمعية سنابل بلادي بدبي: أنا متابعة جيدة للدورات، وعادة انتقي الدورات التي تناسبنا في الجمعية بحيث تساهم في تطوير أنفسنا وأدائنا الإداري، وتواصل: إقبالي على الدورات يعزز من ثقتي بنفسي ويعرفني على نقاط ضعفها ويساهم في تطوير أهدافي وخططي على الصعيدين الشخصي والعملي، إلى جانب انها تفتح أمامي المجال للالتقاء والتعرف على أساتذة يمتلكون خبرة عالية في شتى المجالات.

فضلا عن انها تمد جسور التعاون مع المؤسسات الأخرى في الدولة، وطالبت أسماء، التي توجهت بجزيل الشكر إلى مركز جمعة الماجد لما يقدمه من جهود فعالة في تنمية المجتمع، بضرورة قيام المؤسسات القائمة على هذه الدورات بمتابعة المشاركين أو المستفيدين منها، لمعرفة مدى الفائدة التي حصلوا عليها من الدورة، والى أي حد قاموا بتطبيقها في واقعهم اليومي والعملي، كما طالبت بضرورة مخاطبة جيل الشباب بطرح دورات متخصصة في قضاياهم.

إضاءة

عرف عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، منذ تأسيسه، اهتمامه بعقد سلسلة من الدورات والمحاضرات الثقافية، وهذا الصيف طرح المركز سلسلة طويلة من الدورات والمحاضرات العامة والمتخصصة، والتي تمتد على مدار شهرين تقريبا، وحول الهدف من تنظيمها خلال فترة الصيف قال المدير العام للمركز، د. محمد ياسر عمرو: بالنسبة لنا نعتبر الصيف متنفسا للجميع، ففيه تقل الضغوطات على معظم فئات المجتمع، ولذلك نحاول استغلاله حتى لا يتحول إلى مضيعة للوقت، ونحن نرمي من خلال البرامج التي نطرحها إلى تقديم معلومة جديدة فضلا عن تنمية مهارات المشاركين في الدورات.

وبسؤاله عن الأسس التي يتم بناء عليها اختيار عناوين الدورات ومتحدثيها، أجاب د. محمد: بالنسبة للمتحدثين والمدربين، لدينا في المركز قاعدة بيانات ضخمة تضم أسماءهم وطرق التواصل معهم، في المقابل نحرص على التواجد في أي محاضرة أو دورة تعقد في دبي، حيث نقوم بإيفاد مندوبنا إليها ليوافينا بعد انتهاء الدورة بتقرير شامل حول المواد التي قدمت فيها، بالإضافة إلى طبيعة المتحدث وخبراته وغيرها، أما بالنسبة للموضوعات فنحن نحرص على معرفة أكثر الموضوعات فائدة ونفعا واحتياجا للمجتمع.

وتحاشيا لتكرار عناوين الدورات، تمنى د. محمد أن تقوم جميع المؤسسات الثقافية في دبي بعقد اجتماع تنسيقي تحت إشراف هيئة الثقافة والعلوم بدبي، تخرج منه ببرنامج موحد ومتناسق للدورات والمحاضرات التي تعقد في الصيف، الأمر الذي سيساعد على منع تكرار عناوين الدورات لدى أي من المؤسسات الموجودة.

غسان خروب