احتضنت جبال منطقة دبا والمناطق المجاورة لها خيرات طبيعية رسمت ملامح العلاقة بينها وبين سكان تلك المناطق، فمن المعروف عن أهالي تلك المناطق تعلقهم الشديد ببيئتهم الطبيعية الغنية بكل أشكال الحياة، فجبالها المليئة بأشجار السدر والسمر جعلت منها مرتعا خصبا لأطيب أنواع العسل، ألا وهو العسل الإماراتي الذي لا يستطيع منافسة جودته أي نوع أخر من العسل المستورد.

وتعتبر هواية البحث عن العسل وجنيه، من أهم ما يحرص عليه سكان تلك المناطق ليقينهم بفوائد العسل الطبيعي التي لا تعد ولا تحصى، وكون جبال تلك المناطق تزخر بالمناحل الطبيعية للعسل جعل من هواية جنيه وتربيته إرثا تناقله الأبناء عن الآباء والأجداد بشغف، حرصا منهم للحفاظ على هذه الثروة الجبلية التي ميزتهم بفضل من الله عن باقي المناطق. وحرصت «البيان» من خلال لقاء مع العسال والنحال علي الظنحاني على توضيح كل أسرار هذه المهنة الهواية والكشف عن طبيعة ممارستها، والدور الذي قام به البعض للحفاظ عليها والدفاع عنها في ظل التطور والتنمية التي تشهدها المنطقة. من هو علي الظنحاني؟ وما أسرار تعلقه بتربية النحل؟ علي الظنحاني هو صاحب أول محمية جبلية لإنتاج العسل البلدي في الإمارات، حيث ولد وتربى على ممارسة هذه الهواية منذ الصغر فوجد أن أفضل سبل المحافظة على هذا الكنز الثمين هو إنشاء محمية.

ويذكر الظنحاني أن فكرة المحمية بدأت تراوده منذ عام 1986 إلى أن نجح بتنفيذها في عام 1988 أي منذ ما يقارب العشرين سنة، وكان ذلك في جبال منطقته التي ولد فيها وهي جبال مدينة دبا الفجيرة، وما زالت المحمية قائمة حتى الآن.

وقد بذل في سبيل إحياءها الكثير من الوقت والجهد والمال، حيث بدا بزراعتها بنحو ما يقارب 30 ألف شجرة من السدر والسمر، ثم زودها بالعديد من برك المياه العذبة ليرتوي منها النحل، كما هيأ فيها كل الظروف التي تجعل منها مرتعا طبيعيا للنحل بهدف إنتاج أفضل أنواع العسل الطبيعي الصافي.

فكرة المحمية

ويقول الظنحاني: أن فكرة المحمية جاءت لعدد من الأسباب أولها تذبذب كميات المطر مع الوقت، فيذكر أن موسم الأمطار في الماضي كان لا يقل عن 6 أشهر في السنة في حين أنه بدأ مع أواخر الثمانينات يتضاءل بسبب الظروف البيئية ليسقط بمعدل شهرين من كل عام، الأمر الذي دفع بالعديد من مملكات النحل إلى هجرة الجبال المقفرة والذهاب للمدن بحثا عن المياه والخضرة.

ومن هنا بدأ النحل بالهجرة إلى المدن القريبة بحثا عن المرعى والمياه والتي أضرت بنوعية وطعم العسل الإماراتي الطبيعي، حيث تزود أعشاب وأشجار المدن بالمواد الكيماوية والسموم فضلا عن أن المياه في الغالب لا تكون نقية. بالإضافة إلى تدخل العمالة الأسيوية في قطف خلايا العسل والاتجار بها بصورة مغشوشة. فقد معها العسل البلدي أو الإماراتي طعمه الفريد وقيمته التي لا تعوض.

من هنا جاءته فكرة إنشاء محمية جبلية في منطقة دبا لتكون أول وأكبر مركز لإنتاج العسل الإماراتي الأصيل. بهدف فتح المجال أمام العسل البلدي الإماراتي، ووفرة الإنتاج لمنافسة الأنواع الأخرى المستوردة.

ما هي أهم مواسم جني العسل؟

يجيب العسال علي الظنحاني عن أن للعسل الإماراتي موسمين رئيسيين وهو عسل السدر أو ما يعرف محليا بعسل (اليبياب) ويبدأ من 1 أكتوبر لغاية 20 نوفمبر، والموسم الثاني يكون لعسل السمر والذي يتعارف عليه محليا بعسل (البرم) ويكون مع بداية فصل الصيف وبعد فصل الربيع مباشرة حيث يبدأ مع مطلع شهر مايو وحتى 20 يونيو.

والجدير بالذكر أن فترة (عمار) الخلية (قيام النحل بجمع الرحيق أو تكوين العسل من الأشجار البرية) لا تتعدى العشرة أيام أما الفترة المتبقية من الموسم فهي من نصيب النحالين، للبحث عن أماكن هذه الخلايا لقطفها وتسكينها.

ما هي أفضل أنواع العسل؟

كل أنواع العسل جيدة ومفيدة، ولا يمكن تصنيفها إلا في حالة التميز ما بين العسل الطبيعي والمناحل أو عسل المزارع، فهنا يكون العسل الطبيعي أفضل وأكثر فائدة من الناحية الصحية، بل وتأتي بركة هذا الغذاء من ذكره في القرآن الكريم ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) حيث تدل الآية على شمول وتعدد فوائد العسل في علاج الأمراض المختلفة. كما إنه من الأغذية المفضلة عند أغلب البشر.

إلا أن العسل الإماراتي خاصة عسل السدر والسمر يعد عند أهل الإمارات أفضل من عسل العشب والزهور، فعسل السدر يقف في مقدمة القائمة لندرته وغلاء سعره. وينصح أهل الساحل بهذين النوعين بالذات لاعتماد النحل في المرعى على الأشجار الجبلية النظيفة، بعيدا عن الشجيرات والزهور المزودة بالكيماويات.

طرق اكتشاف الخلايا

ما هي طرق اكتشاف مواقع العسل؟

تعتمد طرق الكشف عن مواقع العسل سواء في الجبال أو في الأشجار على حسب خبرة النحال، فمن الطرق المتبعة طريقة مورد الماء بحيث يقوم النحال بالوقوف على مورد الماء ما بين الخمس والعشر دقائق بانتظار إحدى النحلات ليقوم بعد ذلك بتتبع أثرها إلى الخلية، فمن طبيعة النحل السير في خطوط مستقيمة لأداء مهامه الحيوية، فإن وجد على مورد الماء فإنه يقوم بالرجوع إلى الخلية مباشرة، الأمر الذي يكشف للنحال عن موقعها.

كما أن هناك طريقة (النقط)، وهي تتبع نقاط الرحيق المتساقطة من النحلة في طريق عودتها من المرعى إلى الخلية. وتدل هذه الطريقة على مدى خبرة العسال، فيقول الظنحاني: أنه قادر على تميز ما إذا كانت الخلية قريبة أو بعيدة، وجديدة أو قديمة بمجرد النظر إلى (النقط) التي تدل أيضا على عمر الخلية ومدى امتلائها بالعسل.

وهناك طريقة تتبع النحل عن طريق أشعة الشمس التي يطلق عليها محليا (لمعاشا)، وتعتمد على الكشف عن مواقع النحل الطائر عن طريق خطوط الشمس. كما توجد طريقة العلامة وهي الأكثر شيوعا واعتمادا عند القبائل ساكنة جبال دبا، بل وأصبح عرفا لا يقبل المساس بأملاك الغير ويحفظ الحقوق.

وتقوم هذه الطريقة بقيام النحال قبل موسم جني العسل بالبحث بجد عن مواقع خلايا العسل ليضع عليها علامة تدل على ملكيته كأول شخص قام بالكشف عنها، بحيث يمكنه العودة إلي الموقع وقت الحصاد ويكون العسل من نصيبه. ولابد من تجديد العلامة مع كل حصاد حتى لا تكون قديمة ومتهالكة.

مواقع العسل

ويشير الظنحاني: إلى جانب وجود مواقع خاصة بأفراد بعينهم فهناك مواقع عامة تعرف (بالمدارات) التي تكون ملكية العسل فيها عامة لأي شخص يبحث فيها. كما إن المواقع التي تكون قريبة من منزل الشخص أو مزرعته تعرف (بالمكان الحسن) الذي يكون من نصيبه ولا يتجرأ أحد على المساس به.

وما هي أهم معاناة العسالين في الوقت الحالي؟

أكثر معاناة العسالين تأتي من التلوث الصناعي أو البيئي الذي حرم مملكات النحل من الاستقرار في بيئاتها الطبيعية والرعي بصورة جيدة، وخصوصا في المناطق الجبلية التي دمرت بمصانع الحجارة والغبار وغيرها.

وكذلك الأشجار الدخيلة على بيئتنا مثل (الرول) و(الدماس) التي أثرت سلبيا على إنتاجية العسل البلدي وجودته، وذلك لتزامن ثمرها في وقت (عمار) العسل البلدي بحيث يلجأ النحل إلى الرعي من ثمارها، مما قلل من جودة الإنتاج البلدي وغيرت في طعمه.

وماذا فعل علي الظنحاني للدفاع عن جودة إنتاج العسل البلدي؟

يقول الظنحاني: قمت بمخاطبة صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، حاكم الفجيرة، ومسؤولي وزارة البيئة والمياه للحيلولة دون انتشار هذه النوعية من الأشجار في مواقع عمار العسل، للمحافظة على جودته من جبال دبا وإنتاجه السنوي الذي لا يقل عن 7 أطنان من العسل الجبلي الصافي.

ونجحت مؤخرا هذه المساعي بقرار منع زراعة مثل هذه الأشجار بل واقتلاعها من كافة أنحاء المنطقة واستبدالها بأشجار الشريش والسدر والسمر التي تتلاءم مع حياتنا الجبلية بصورة أكبر وتشكل مرعى نظيفا لخلايا النحل الإماراتي.

هل للحرارة تأثير سلبي على إنتاجية العسل؟

للحرارة والرطوبة الشديدة تأثير سلبي على خلايا ومملكات النحل، فمع دخول الصيف هذا العام بسرعة ودرجات حرارة عالية، تجاوزت في بعض مناطقنا الجبلية 55 درجة، فقد مات على إثرها ما يقارب 220 خلية نحل من المحمية، وذلك منذ عشرة أيام تقريبا. بل إن تزايد درجات الحرارة يقلل فرص حصول النحل على الماء فتهلك العاملات وتموت المملكة بأكملها.

كشف الغش

هل يمكن التميز بين العسل الطبيعي والعسل المخلوط؟

لم يظهر العسل المخلوط أو (المغشوش) إلا بعد ازدهار تجارة العسل وتدخل العمالة الأسيوية في تجارة العسل البلدي، إلا أنه من الصعب جدا الكشف عن الأنواع المغشوشة خصوصا مع ظهور عسل المناحل أو المزارع الذي يقترب طعمه كثيرا من تلك الأنواع.

وحتى المعامل والمختبرات لا يمكنها تمييز مدى جودة العسل لأنها تكشف عن نسب الأملاح المعدنية والسكريات وغيرها وهي صفات مشتركة لكل أنواع العسل.

ويعتمد جودة العسل في الأصل على البائع نفسه وثقة الناس في إنتاجه، ومن لديهم خبرة تربية النحل تكون لديهم قدرة الكشف عن نوع العسل إذا كان طبيعيا أو مستزرعا والأخير يتغذي على نسبة من السكريات المعقدة تجعل طعمه وجودته أقل.

تقصير إعلامي

ونوه الظنحاني إلى أن الإعلام الإماراتي المرئي والمقروء بشكل عام مقصر في حق العسل البلدي، حيث لم يمنحه الشهرة والسمعة التي يستحقها لدفعه لمنافسة الأنواع الأخرى المستوردة، مثل العسل اليمني والباكستاني. بل بقي يتداول داخليا وبعيدا عن الأضواء.

وأضاف: ومن هذا المنطلق قمت مؤخرا بالمشاركة في العديد من الفعاليات والمهرجانات الدولية والمحلية لإبراز اسم العسل الإماراتي على الساحلة الخليجية والعالمية، بل وقمت بتوثيق كافة مراحل العناية بالعسل ومملكة النحل في أشرطة فيديو أقوم بعرضها وتوزيعها خلال مشاركاتي في المعارض.

دبا الفجيرة - ابتسام الشاعر