سيرة فنان وقضية، هي الأمسية التي احتضنتها أول من أمس ندوة الثقافة والعلوم في دبي، ضمن مشاركتها في فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009.

حيث عرض الفيلم الوثائقي «جداريات السيرة والمسيرة» للمخرج الفلسطيني بلال إسماعيل شموط،الذي لا يحاول من خلال هذا العمل الفني إلقاء الضوء على مسيرة والده الفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط ووالدته الفنانة التشكيلية الفلسطينية تمام الأكحل فحسب، بل إنه يغوص في أعماق تجربة فنية انسانية يمتزج فيها العام بالخاص والشخصي بالوطني إلى حد المطلق، بحيث لا يعود ممكنا التمييز بين هذا وذاك، لا سيما وأن مسيرة تمام وإسماعيل الشخصية والفنية على حد سواء مدموغة بكل محطة من محطات تطور القضية الوطنية الفلسطينية.

الفيلم يتناول على مدار 75 دقيقة سيرة ومسيرة الفنانين إسماعيل شموط الذي رحل عن 76 عاماً وزوجته تمام الأكحل، ويمخر عباب تجربتهما الشخصية والفنية المشتركة على متن ريشتيهما من خلال 19 جدارية رسم منها اسماعيل 11، بينما تكفلت تمام ببقية اللوحات، التي تبلغ مساحة الواحدة منها مترين في متر ونصف المتر تقريبا، ويشكل مجموع هذه اللوحات مادة الفيلم الوثائقي الرئيسية، حيث تعرض الجدارية تلو الأخرى.

وفقا لتسلسل الأحداث مصحوبة بصوت غنائي شجي للفنانة الفلسطينية أمل مرقص، وتعليق بأصوات عدة يعود اثنان منها للزوجين شموط، وتحتضن كل جدارية مجموعة من المشاهد، التي يروي كل منها فصلا من فصول حياة الشعب الفلسطينية قبل وبعد النكبة التي حلت به عام 1948، والتي أفضت إلى إحلال المستوطنين اليهود محل سكان فلسطين الأصليين وإنشاء الدولة العبرية.

تسلط اللوحات الضوء على جوانب من الحياة الرغيدة، التي عاشها الفلسطينيون في كل من مدينتي اللد ويافا وعلى المشهد الدموي الذي أعقب ذلك، عندما قامت العصابات الصهيونية باقتلاع السكان من بيوتهم وإرغامهم على الرحيل بقوة السلاح على متن قوارب تتلاطمها أمواج بحر هائج، مكنت عدداً منهم من الوصول الى شواطيء بيروت، بينما اتجه الباقي نحو الشرق في رحلة مفتوحة على المجهول قبل أن تحط رحالهم في مخيم خان يونس في قطاع غزة، في رحلة قاسية فقد خلالها اسماعيل شقيقه.

فيلم «السيرة والمسيرة» يخترق الخطاب السياسي التقليدي، ويعرض لقضية الفلسطينيين بطريقة فنية قادرة على مخاطبة عقل الانسان، اي انسان يعيش على هذه البسيطة ،بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو معتقده، بمفردات معالمها واضحة، لا لبس فيها ولا تحول أي لغة من فهمها.

رحلة الشتات الطويلة والمريرة، التي ذاق خلالها الفلسطينيون شتى صنوف المعاناة من عطش وجوع ومرض وموت، بسبب العوز وتحكم العصابات الصهيونية بالطرق، حاضرة بقوة في هذا العمل الفني، وكذلك المخيم الذي يعتبره شموط بمثابة السجن، الذي تتأرجح فيه حياة الناس بين الكابوس والحلم، حلم العودة إلى الوطن السليب.

وحلم الخروج والسفر بحثا عن العمل في الكويت والسعودية، أو الدراسة في أي مكان تتوفر فيه امكانية مواصلة التحصيل العلمي، خاصة وأن غزة كانت محاصرة، كما هي اليوم، وضع صعب دفع إسماعيل الشاب، الذي عمل فور وصول عائلته إلى مخيم خان يونس معلما متطوعاً في المدرسة الابتدائية الوحيدة التي كانت هناك،إلى مغادرة القطاع لدراسة الفنون الجميلة في جامعة القاهرة، ليتوجه بعدها إلى روما وإكمال دراسته هناك.

وتعرض اللوحات لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وأوجه تضامن شعوب العالم معها، في حين تظهر شجرة الزيتون صامدة بقوة من قلب صحراء قاحلة، صمود يحاكي صمود الشعب الفلسطيني.

أما المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال، في دير ياسين، وكفر قاسم، وصبرا وشاتيلا، قانا.. فهي حاضرة بدورها مبينة كما من الدماء الفلسطينية والعربية سفكت على دروب الفداء والعطاء، وهذا ربما ما يفسر طغيان اللون الأحمر في كثير من تلك العمال الفنية.

صحيح أن الانتفاضة واطفال الحجارة، والحرب والاجتياحات الإسرائيلية وما يسمى بالعملية السلمية المتعثرة، وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، تشكل جميعها جزءا من المفردات التي وظفها الفنانان التشكيليان، في محاولة منهما لاستكمال عناصر المشهد العربي الفلسطيني الدامي، إلا ان عودتهما زائرين إلى مسقط رأسيهما في اللد ويافا تمثل ذروة هذا العمل الفني، عندما يصرخ إسماعيل شموط: زوالله زمان يالد.

وردا على سؤال «البيان» حول مآل النتاج الفني الذي خلفه إسماعيل شموط، قال نجله بلال: تعمل الوالدة حاليا على عرض أعمال إسماعيل شموط، وتجمع كل سنة تقريبا مجموعة من اعماله الفنية، التي لم تعرض سابقا وتقوم بعرضها في معرض متخصص.

وأضاف المخرج الشاب قائلاً: هناك جهود تبذلها العائلة والأصدقاء من أجل انشاء مؤسسة لا تهدف إلى احياء أعمال وفن إسماعيل شموط فحسب، وإنما إلى تعليم مدرسته الفنية كذلك، فضلا عن أننا بصدد إنشاء مركز يهتم بالفنون الجميلة كلها، وبالتراث الفلسطيني في كافة تجلياته، من دبكة وتطريز ومسرح وسينما وموسيقى.

دبي - باسل أبو حمدة