في إطار احتفاليتها بالقدس عاصمة للثقافة العربية، وبحضور الشاعر محمد المر والأديب عبد الغفار حسين والمستشار إبراهيم بوملحة، شهدت ندوة الثقافة والعلوم مساء الأول من أمس محاضرة للدكتور زكي نسيبة المستشار بديوان الرئاسة، نائب رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، تحت عنوان «ملامح من تاريخ القدس»، صاحبها معرض لوحات «مدن فلسطينية» من مقتنيات الفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط.

بينما تم تأجيل عرض فيلم «السيرة والمسيرة» إلى مساء أمس لضيق الوقت، وقدم لها بلال البدور المدير التنفيذي لهيئة الثقافة والفنون وتنمية المجتمع، الذي أكد على خصوصية اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، فهذه المدينة ليست كباقي المدن العربية التي يتم اختيارها تباعا من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ذلك أن أهمية القدس لا تقتصر على الدور الكبير الذي لعبته على مر العصور في إعلاء كلمة الثقافة العربية فحسب، فإذا كان المقصد من فعاليات العواصم الثقافية إبراز دور مدينة معينة وما قدمته من إسهامات في ميدان الثقافة «فإن الحال يختلف عندما يقع الاختيار على القدس عاصمة للثقافة العربية، فالهدف هنا هو تأكيد عروبة القدس في أذهان أبناء الأمة العربية وتوجيه رسالة إلى العالم أجمع تفيد بأن القدس عربية وستبقى كذلك وستعود إلى الكنف العربي»، على حد تعبير البدور.

زكي نسيبة سليل تلك العائلة العريقة التي كانت تحرس مفتاح القدس أكد في محاضرته أن القدس تعني كل شيء في حياته منذ نعومة أظفاره قائلا: «القدس مسقط رأسي وحاضنة التاريخ والتراث لمكونات هويتي الشخصية، تشغلني بها ذكريات الطفولة، التي لا تزال ماثلة في مخيلتي وكأنها مرآة عاكسة لحياتي اليومية وهي تضمر أمام أنظارنا في محيط إسرائيلي متسلط يحاول فرض واقع جديد بالقوة عن طريق تفريغها من سكانها وطمس آثارها وطمس معالمها الحضارية التي تشكل جزءا رئيسيا من تاريخ أمتنا العربية والاسلامية».

ونوه المستشار إلى أن القدس تشكل حلقة وصل مفصلية في تاريخ مسيرة الإنسانية نحو الرقي والحضارة، الأمر الذي يجعلها تحتل دائما مركزا محوريا بالنسبة للبشرية جمعاء.

مضيفا: «صحيح أنه تعاقبت على سكانها الأصليين اليبوسيين، الذين امتزجت عروقهم مع العرب،الكثير من الأمم والعهود منذ فجر التاريخ كالفراعنة وقبائل الخابيرو واليهود والمقدونيين والبطالمة والسلجوقيين والرومان والفرس، وصحيح أنها وقعت تحت نير الاحتلال عدة مرات.

دمرت خلالها وأعيد بناؤها أكثر من 18 مرة، لكنها على الرغم من ذلك التاريخ العاصف، لم تتعرض خلال هذه القرون الطويلة القاسية إلى محنة وجودية تهدد مكونات ثقافتها وحضارتها وهويتها البشرية بالشكل الذي تتعرض له اليوم تحت كابوس الاحتلال الإسرائيلي»، وذلك بعد أن صارت أهداف هذا الاحتلال الغاشم معلومة للقاصي والداني، حيث يتصدر تلك الأهداف الدنيئة ما تسعى إليه الدولة العبرية من تهويد «زهرة المدائن» وطرد أهلها العرب مسلمين ومسيحيين وإحلال اليهود مكانهم بغية فرض واقع ديموغرافي جديد.

وروى نسيبة بعض المشاهدات التي رآها بأم عينه في زيارة قام بها للقدس السنة الماضية، بعد غيام دام 40 عاما، برفقة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، ضمن وفد إماراتي ضم العديد من الشخصيات، وتحدث عن مشاريع بناء إسرائيلية عملاقة من شأنها تغيير ملامح القدس القديمة كأن يصادفك نفق عملاق تم بناؤه تحت المدينة الأثرية، الأمر الذي بالكاد يسمح للمرء بالتعرف على أي من معالمها التاريخية الأصلية في ظل محاصرتها بالمستعمرات وجدار العزل من كل حدب وصوب «كسوار من الشوك» على حد تعبيره.

وأورد نسيبة بعض الأرقام التي تفضح خطط الاحتلال الإسرائيلي المتعلقة بالقدس قائلا: «في عام 1993،كان هناك 109 آلاف من الإسرائيليين المقيمين في المستوطنات المنتشرة في مختلف أنحاء الضفة الغربية،عدا القدس، أما اليوم فعددهم يزيد على 275 ألفا يقيمون فيما يزيد على 230 مستوطنة، بينما يقطن اليوم نحو 200 ألف يهودي فيما يسمى بضواحي القدس العربية الشرقية» في حالة حصار حقيقي تعززه تلك السوار والمستوطنات، التي تتضخم كالسرطان في الجسد الفلسطيني.

كما أعرب زكي نسيبة عن هلعه الشديد من حالة الجهل المنتشرة بين «أطفالنا وعدم اهتمام الكتاب بتاريخ القدس الحقيقي وحجم مكانتها عند العرب والمسلمين»، ذلك أن «هذا الجهل يقابله اهتمام واسع بهذا التاريخ لدى المؤلفين الإسرائيليين، الذين لا تزال تأسرهم قصة القدس وتاريخها»، ولقد تجلى هذا الاهتمام في العديد من المؤلفات كتلك الرواية التي صدرت منذ عامين في إيطاليا وكتبها فرانكو دي سيتا تحت عنوان «حارس كنيسة القيامة»، التي تسرد بطريقة أدبية شيقة تاريخ القدس عبر مختلف العصور.

معرض لوحات «مدن فلسطينية» ضم العديد من الرسومات، التي تصور مختلف أوجه الحضارة في المدن والأرياف الفلسطينية القديمة وجانب من الحياة اليومية للناس فيها، فضلا عن عدد من المسكوكات الفلسطينية عبر العصور وهي من مقتنيات عبد الله محمد بن جاسم المطيري مستشار المواقع التراثية والمدير التنفيذي لقطاع المواقع الأثرية بالإنابة.

وأوضح بلال شموط، نجل الفنانين الفلسطينيين إسماعيل شموط وتمام الأكحل ومعد فيلم «السيرة والمسيرة»، الذي يتناول حياة إسماعيل شموط وتمام الأكحل وأعمالهما، أن اللوحات المعروضة مأخوذة من كتاب صدر في بيروت في نهاية سبعينات القرن الماضي عن مؤسسة صامد تحت عنوان «فلسطين تاريخ وحضارة»، وهو من إعداد وإخراج إسماعيل شموط نفسه.

ورسمها فنانون مستشرقون قدموا من أوروبا لزيارة فلسطين في القرنين السابع عشر والثامن عشر وتمكنوا من تجسيد مدنها وقراها والحياة اليومية فيها كما كانت تماما، كما أكد أن شموط أن «أهمية الكتاب تكمن في دحض الإدعاء الصهيوني القائل بأن فلسطين كانت أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وذلك ما تبينه اللوحات التي تصور مختلف المدن الفلسطينية وحضارتها، وهي مدن تعج بالبيوت والشوارع ومختلف أوجه حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية».

النقاش الذي أعقب المداخلة الرئيسية أثار ضرورة دعم صمود الفلسطينيين في القدس ومؤسساتهم الوجودية والثقافية، فضلا عن ضرورة اقتران الأقوال بأفعال تناسبها على هذا الصعيد.

باسل أبو حمدة