من الظواهر الاجتماعية التي عجز المجتمع عن الخروج منها، ظاهرة الذهاب للعلاج في المستشفيات والعيادات الخاصة بالأمراض النفسية، حيث تخشى كثير من الأسر كلام الناس في حال تم نقل أحد أفراد الأسرة إلى المستشفى أو العيادة، فالذهاب إلى الطبيب النفسي قضية أصبحت تؤرق الكثير من المصابين بالمرض النفسي العقلي أو السلوكي.
وكذلك أسرهم ويعزو البعض الآخر خوفه من العلاج النفسي، بسبب أن يوصم أمام المجتمع بالرجل المجنون أو المرأة المجنونة، والبعض الآخر يعتقد أن المرض النفسي يكون مرادفا لمس شيطاني أو جني، وبدل أن يذهب به إلى العيادة النفسية، نجد بعض الأسر تذهب للبحث عن رجل دين أو مشعوذ لمعالجة هذه الحالة، وكثير من هذه الأسر وقعت في معاناة طويلة.
حيث يكون مريضها مصاب بمرض عقلي أو عصابي، وتعتقد هي انه مصاب بالسحر أو بالتلبس، وبدلا من أن يكون العلاج عند طبيب، يذهب به إلى «مشعوذ» الذي يزيد الحالة سوءا، وعندما يصبح علاج هذا المريض أمرا صعبا، يصبح من الصعب علاجه عند طبيب مختص، إذن هناك عاملان يدفعان بالأسرة إما إلى بقاء مريضها في البيت وتحت حراسة قوية، خشية من كلام الناس وإما بسبب الجهل حين تذهب بمرضها عند «مشعوذ».
الحياء يضاعف المرض... يقول الدكتور رعد الخياط استشاري ورئيس قسم الطب النفسي بمستشفى الأمل: الأمراض النفسية تنشأ غالبا من تغيرات بيوكيميائية في الدماغ، وكذلك من الوراثة، ومن التركيبة النفسية العامة للفرد، ومن مصاعب في الحياة، ويتصف كل مرض من مجموعة معينة من الأعراض، كما هو الحال في جميع الأمراض، وتختلف شدة ومدة الأعراض باختلاف الأفراد، لذلك وجب على الذين يعانون من أعراض الأمراض النفسية أن يزوروا طبيبًا نفسيًا للقيام بفحص طبي شامل لتشخيص الحالة في وقت مبكر.
ويضيف: مسألة الأسرة والمريض هذه قضية لوحدها، فالمريض بطبيعة الحال، لا يمكن أن يذهب بنفسه إلى الطبيب أو المستشفى أو العيادة الخاصة، لأنه في قرارة نفسه لا يعترف بكونه مريضا، وبعض الأسر حين ترى مريضها قد زاد من هوسه أو اكتئابه، عندها فقط تلجأ إلى الطبيب في حين كان من الأفضل حمل المريض إلى الطبيب وهو في بداية مرضه.
أما أن يؤتي بالمريض وقد أصبحت حياته متأخرة، فان العلاج هنا لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا متأخرا، وسبب ذلك غياب الوعي لدى الأسرة، فهي من ناحية تشعر بحياء شديد من نقل مريضها إلى الطبيب أو العيادة، وفي نفس الوقت تعيش حالة خوف وقلق من وجود مريضها دون علاج، لذلك نسبة 70% من الأسر تتردد كثيرا في عرض المريض على الطبيب المختص.
والبقية هم من الأسر التي تقنع مريضها بالعلاج، وهي من الأسر الواعية والمدركة لمسؤولياتها تجاه مريضها، حيث تكون حالة المرض في بداياتها، ويصبح العلاج سريعا ومثمرا، وفي المقابل هناك أسر يغلب عليها الجهل والتعامل الصحيح مع مثل هكذا حالة.
حيث تظن أن مريضها مصاب بمس شيطاني أو أصيب بحسد، فتذهب به إلى مشعوذين، ليس لهم دراية في الأمراض النفسية والعقلية ولا في الأمراض العضوية، فيعالجون هذا المصاب علاجا سيئا ربما يؤدي به في الأخير إما إلى مضاعفة المرض أو إلى هلاكه.
وهنا يكمن جهل الأسرة ومدى تأثرها بأشخاص يجهلون العلاج الصحيح، فالمريض لا يشعر إلى أين يؤخذ فهو غالبا لا يعي ما يدور حوله، لذلك أحذر الأسر من التعامل مع المشعوذين، فهم في اعتقادي شر البلية وأساس نشر العلاج الخاطئ الذي يصيب أعدادا كبيرة من الرجال والنساء خاصة قطاع الشباب منهم، فغالب الأمراض العقلية والنفسية بين نكران المريض لمرضه وخجل أسرته.
المريض بحاجة للمساعدة
وتقول سناء عبد العظيم فرغلي اختصاصي دعم وإرشاد نفسي بوزارة التربية والتعليم: تعتبر الأمراض النفسية الناتجة عن عوامل الضغط والتوتر هي الأكثر شيوعا في عالمنا اليوم، وعلى رأسها بالطبع القلق و اضطرابات النوم، أما أسباب الأمراض النفسية فهي خليط من عدة عوامل وراثية وشخصية خاصة بالفرد نفسه كسماته واستعداداته، وظروف تنشئته و هذه العوامل تعمل مجتمعة.
وتكون ما يمكن أن نعتبره المرض النفسي الكامن، والذي يظهر خارجياً بوجود عامل محفز لظهوره كالضغوط أو الأزمات العاطفية أو الصدمات المفاجئة وهكذا، وعلاج الأمراض النفسية يأتي بنتائج ايجابية مشجعة إذا تم اكتشافها مبكراً وواجهها المريض والمحيطون به واعترفوا بوجودها و طلبوا المساعدة والعلاج الطبي النفسي المتخصص.
ويمكن أن يعزى قلة المستشفيات النفسية أولاً بالنظر إلى الحجم النسبي للأمراض النفسية، بمعنى أن الأمراض النفسية أقل شيوعا من الأمراض الجسمية وان كانت لا تقل خطورة و لا ضرراً عنها، كذلك يجب أن نضع في الاعتبار النظرة المجتمعية إلى المرض النفسي أو العقلي أو الاضطراب السلوكي باعتباره عيباً ينبغي إخفاؤه وعدم التصريح به، مما يجعل أهل المريض مثلا يفضلون أن يخفوا حقيقة المرض الذي يعاني منه المريض.
وبالتالي لا يحاولون الذهاب إلى طبيب أو مستشفى نفسي تحسباً من النظرة المجتمعية تجاه المريض، وللأسف يقل الوعي بين الكثير من الأسر حول خطورة المرض النفسي، وتأثيره السلبي على الفرد في جميع جوانب حياته، حتى يفشل في نهاية الأمر عن القيام بأدنى مناشط الحياة، فالبعض يخلط بين المرض النفسي أو العقلي، وبين غيره من العوامل التي تسبب سلوكيات غير طبيعية، من جانب المريض حتى تتفاقم الحالة ويصبح التدخل العلاجي في غاية الصعوبة.
ويحتاج للمزيد من الجهد ليس فقط من جانب الطبيب ولكن حتى من المريض نفسه، ومن كل المحيطين به سواء أفراد أسرته أو أصدقائه أو زملاء العمل وغيرهم. وتضيف سناء عبد العظيم قائلة: فيما يخص الحياء لدى الأسرة وامتناعها من أخذ المريض إلى الطبيب، إلا بعد مضاعفة الحالة المرضية كما أشرت سابقا، فإن الحياء من المرض النفسي.
يعود إلى الفهم الخاطئ لطبيعة ومفهوم المرض، و الجهل بأنه يمكن علاجه إذا اكتشف المرض بسرعة خاصة عندما تكون الحالة في بدايتها، واعتراف المريض بأنه بحاجه إلى المساعدة المتخصصة، والاهم من ذلك هو اقتناع الأهل بأن المريض النفسي، ليس عبئاً أو عيباً، ولكنه مرض يصيب الإنسان في أي مرحلة من مراحل حياته تماماً كالمرض الجسمي، وبالتأكيد فإن التعمد في عدم الاعتراف بالمرض النفسي، يؤدي إلى تفاقمه ويصعب من الجهود العلاجية التي تقدم له.
قتل معاق
تقول عائدة الحوسني شاهدت جريمة وقعت في بيت جيرانها: أفقت ذات يوم على صياح في منزل جارتي القريبة من منزلي، كانت جارتي مطلقة ولديها ابنة تعيش حالات مضطربة في غالب الأوقات، وابن معاق يجلس على كرسي متحرك، وفي ذات اليوم الذي سمعت فيه الصراخ، وكان صراخ الأم يهز الحي، فوجئت بمشهد لم يخطر على بال أحد، لقد قامت بنت جارتي والمصابة بحالة نفسية وعمرها لا يتجاوز العشرين عاما.
بأخذ سكين واتجهت نحو شقيقها المقعد لتغرس السكين في بطنه أكثر من مرة، إلى أن فارق الحياة، والأمر الغريب أن الفتاة تحب شقيقها كثيرا، ولكن حتى هذه اللحظة تجهل الأم السبب في قتلها شقيقها، وهذه الفتاة تعالج اليوم في مستشفى الأمل بدبي.
حالات غريبة
ويقول الدكتور علي الحرجان أن الحالات التي عالجها خلال السنوات الماضية، في معظمها اضطرابات عقلية، وانه عالج أكثر من 15 حالة تنتابها حالات غريبة جدا، منهم من يعتبر نفسه بأنه نبي يملك المعجزات، وآخر يصف نفسه بالمهدي المنتظر، وهذه الحالات تحصل عند المصابين بالاضطرابات العقلية.
والبعض يعتبر نفسه مسؤولا كبيرا أو قائدا أو زعيما، كما قال الاختصاصي النفسي الدكتور عبد الرحيم أن ادعاء أشخاص النبوة أمر يخرج عن نطاق العقل السليم وغالبا ما يكون مثل هؤلاء الأشخاص مصابين بأمراض نفسية عصبية أو ذهنية، مشيرا إلى أن هؤلاء تنتابهم هلوسة تؤيد ما يقولونه.
جميل محسن

