شهدت ندوة الثقافة والعلوم في دبي مساء أول من أمس، ندوة حول شعر أبي الطيب المتنبي(915 -965م،303-354ه) شارك فيها المستشار إبراهيم بوملحة والأديب عبد الغفار حسين وقدم لها الكاتب علي عبيد الهاملي، الذي استهل الحوار ببيت للمتنبي يقول:
«أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم»
وقال: «إن المتنبي حقا شاغل الدنيا والناس، وهو معجزة عصره التي عكست صورة للثقافة العربية الاسلامية في القرن الرابع الهجري».
في مستهل مشاركته، أكد عبد الغفار حسين أن حديثه عن أبي الطيب ليس مساجلة كما أطلقت عليه بعض الصحف المحلية، التي وصفته بأنه «مساجلة نقدية» وقال: «حديثي عن المتنبي ينطلق من كوني قارئاً متذوقاً لأشعاره أكثر من كوني ناقدا، فالنقد يحتاج إلى آلية معرفية خاصة »، متسائلا«كيف يكون النقد إذا كنا نقف أمام عملاق طويل البنية الفكرية كأبي الطيب».
في معرض تأكيده على أن المتنبي كان يستحسن النطق الحسن، أورد عبد الغفار أحد أبيات الشاعر الكبير الذي يقول فيه:« لا خيل عندك تهديها ولا مال/فليسعد النطق إن لم يسعد الحال».
كما نوه إلى وقوفه مع الكثيرين الذين يرون أنه ليس هناك شاعر، خلال الأعوام الألف الماضية، قادر على مقارعة هذا الفحل الشعري، ضاما صوته إلى صوت أبو القاسم الطبسي الذي أطلق على الشاعر الكبير لقب'' بكر الزمان'' وحين قال إن الناس ما رأت ثانيا له من الشعراء، وأورد عبد الغفار الأبيات التي قالها الطبسي في المتنبي:
لا رعى الله سرب هذا الزمان/إذ دهانا بهذا اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي/أي ثان يرى لبكر الزمان
ويرى عبد الغفار أن الطبسي لم يبالغ عندما وصف أبي الطيب بأنه في الشعر نبي تظهر معجزاته في المعاني، قائلا: «ليس من أحد في العالم العربي لديه ولو إلمام بسيط بالثقافة العربية ولا يحفظ للمتنبي بيتا أو أكثر من الشعر»، منوها إلى أن المتنبي نفسه أخبرنا بأن شعره سيتردد على مر التاريخ حين قال: «وما الدهر إلا من رواة قصائدي/إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا»، وأن من عظمة هذا الشاعر أن «يصاحبنا في حياتنا اليومية، حيث ترك لنا حكما كثيرة لا نزال نضرب حولها الأمثال في كل حديث من أحاديثنا، ذلك أن المتنبي لا ينفك عن وصف طموح الانسان وشرفه وإيمانه وصدقه وكذبه وكأنه طبيب نفساني».
وعرج عبد الغفار حسين على ما يمكن ان نسميه اقتباسات لشعراء عرب كبار نهلوا من شعر المتنبي على غرار أمير الشعراء أحمد شوقي الذي قال: وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. بينما قال المتنبي: طعم الموت في أمر صغير/كطعم الموت في أمر عظيم.
مشاركة المستشار إبراهيم بوملحة جاءت مستفيضة وسلة ونظر من خلالها إلى بعض الجوانب التي يمكن أن نصفها بالسلبية في شخصية ومواقف أبي الطيب المتنبي مدعما كل فكرة طرحها في هذا الشأن ببيت أو أكثر من شعره.
كما أعرب من بداية مداخلته عن أمله في أن تتكامل مشاركته مع مشاركة مساجله في تناول هذا العملاق الشعري، بينما قدم اعتذاره على تناول المتنبي من هذا المنظور قائلا: حين أكتب في نقد أبي الطيب المتنبي، فإن الموقف يلزمني أن أتقدم ببالغ معذرتي لكونه شاعرا أحبه وأتغنى به وأتفاعل مع جماليات الحسن والذوق فيه. وربما أجد نفسي ملوما لأن أتعرض لهذا الشاعر الذي يمثل الرمز الشعري في كثير من أبياته وقصائده.
لكن ذلك لا يحول نقد المتنبي ، على حد تعبير بوملحة،الذي يعتبر المتنبي « شاعر العربية الأوحد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ليس في عصره فقط وإنما إلى اليوم، وسيبقى المتنبي علامة بارزة ومعلما من معالم الشعر العربي في كل العصور»، مضيفا أنه « يكفي المتنبي قدرا في شعره أنه كان من مناصريه ومحبيه والمعجبين بشعره شاعر العربية أبو علاء المعري والأديب محمود شاكر». لكن هذا لا ينفي وجود فئة أخرى حملت على المتنبي وفي مقدمهم الأديب طه حسين في كتاب له تحت عنوان «المتنبي».
ويرى بوملحة أن من أكثر ما يؤخذ على المتنبي مبالغاته في مدحه إلى حد يصل بالممدوح إلى فوق درجته، وفوق ما يستحقه من المدح، كأن يقول: إذا مدحت فلا لتكسب رفعة/ للشاكرين على الإله ثناء.
وفي هجائه إذ يترك لعاطفته العنان وكثيرا ما يخترق حواجز القيم والعادات والأخلاق، والمتمعن في قصائد ديوانه يرى أن الشاعر أكثر ما يمكن أن يوصف به هو أنه شاعر مداح إذ يبلغ المدح مساحة كبيرة من قصائد الديوان، بينما تتوزع قصائده الأخرى بين الهجاء والفخر والرثاء، لا بل إنه يمكن القول عن حالة من التناقض قد اعترت مضامين بعض شعر المتنبي كأن يكيل أبيات المديح لشخصية ما ومن ثم يعود عن ذلك المديح ليهجو الشخصية ذاتها. في حالة كافور، على سبيل المثال، يقول بوملحة إن المتنبي رفعه إلى عنان السماء ثم هبط به إلى أسفل السافلين حين قال فيه:
وأن ذا الأسود المثقوب مشفره/تطيعه ذي العضاريط الرعاديد.
من جانب آخر، ضم المعرض المصاحب لهذه الندوة والذي جاء تحت عنوان «مخطوطات من ديوان المتنبي» عددا من نسخ من مخطوطات ديوان المتنبي وشروحاته، وهي جميعا من مقتنيات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي. وبوسع الزائر للمعرض أن يستمتع بجمال تلك المخطوطات وقراءة بعض من مضامينها الساحرة في جو دافئ تنبعث منه موسيقى هادئة وصوت رقيق بقراءات من قصائد أبي الطيب المتنبي.
دبي ـ باسل أبو حمدة
