لاقى مرسوم صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة في إنشاء مكتب للرقابة المالية أصداء واسعة النطاق.
ما يؤكد مبدأ الشفافية والصراحة التي تنتهجها الحكومة واهتمامها الأساسي في مكافحة الفساد بكافة أنواعه، إلى جانب متابعة الجودة داخل جميع الجهات والدوائر المحلية، وإخضاعها في الوقت ذاته للرقابة والمساءلة القانونية.وجاء ذلك في وقت تزايد فيه عدد القضايا في أروقة المحاكم، والتي إذا كان من البديهي تزايد أعدادها كل عام عن ما سبقه، لكن هذه الزيادة يفترض أن تكون وفق إطار محدد ومعروف. فما نلاحظه اليوم أن هناك نوعية من القضايا بدأت تزداد وبشكل يومي في المحاكم، وهي قضايا الاختلاس والتعديات سواء كانت واقعة على المال العام أو الخاص.والكل يوجهون يد الاتهام وبشكل صريح إلى طبيعة الأحكام المخففة في حق المختلسين ومرتكبي هذه الجرائم ما يجعلها غير رادعة عن ارتكاب جرائم مشابهة أو خطيرة كالقتل أو ترويج وتجارة المخدرات.
وطالب مواطنون بأهمية إعلان حالات الفساد التي يتم اكتشافها، باعتبارها قضايا رأي عام وفساد إداري، ليكون المختلسون عبرة لغيرهم وحتى لا يترسخ مفهوم «من أمن العقوبة أساء الأدب». مع ضرورة زيادة العقوبة القانونية على مرتكبيها لكون الأحكام الحالية، على حد تعبيرهم، مخففة حيث يشتمل الحكم الصادر من ستة أشهر إلى سبع سنوات مع رد المبلغ والإلزام بالغرامة.
هذا إلى جانب أهمية تأسيس جهات رقابية على كل ما يتعلق بالمال العام، مع تفعيل التفتيش الدوري والتدقيق، فمن غير المعقول أن لا تكون هنالك رقابة، وطالبوا في الوقت ذاته بأن يكون هناك رادع للآخرين، من خلال أحكام الحبس والغرامات المالية فقط التي تصدرها المحاكم بحق المتهمين. بالإضافة إلى أهمية وضع دراسة قانونية شاملة لا تكتفي بإصدار أحكام الإدانة من دون وضع حلول مساندة.
ظاهرة اجتماعية
«البيان» استطلعت آراء الناس والمختصين قانونيا حول طبيعة الأحكام التي تصدرها المحاكم من عقوبات الحبس والغرامة على المتهمين في مثل هذه القضايا.
تقول عهود اليماحي: إن الجريمة المتعلقة بالأموال كالسرقة أو الاختلاس أو النصب والاحتيال أو خيانة الأمانة تعتبر ظاهرة اجتماعية، ومن الظواهر السلبية على المجتمع التي برزت في الآونة الأخيرة، والتي ترتبط في هذه الحالة بالتفاقمات والأزمات الاقتصادية وأحوال انكماشها وزيادة الميول الاستهلاكية في المجتمع، فالكل أصبح يحاول أن يظهر بمظهر الثراء والرفاهية إضافة إلى انحلال القيم وقلة الوازع الديني.
ما تترتب عليها ارتفاعها في ظل كثرة المشكلات الاجتماعية والأزمات السياسية وضعف الرقابة أيضا سواء بالنسبة للجرائم التي تقع على الأموال العامة المملوكة لها، أو التعاقدات على الأموال الخاصة للتكسب من خلال الطرق غير المشروعة والاحتيالية. الأمر الذي يتطلب إيجاد كوادر إدارية متخصصة داخل الجهات والهيئات للرقابة والمتابعة، وكذلك زيادة الوعي حيالها لمعالجة موضوع السرقة والاختلاسات، خصوصا وقد بات الآن وجود اختلاسات أموال خاصة لا تعاقب عليها القوانين وهي أموال الشركات.
مشيره إلى أن أبرز أسباب جرائم الاستيلاء على الأموال، هي الثقافة التي ترسخت لدى العديد من الناس العاديين ولدى مرتكبي هذه الجرائم مفادها أن تولي المسؤولية في الهيئات والوزارات يفترض الخروج من هذه الوظيفة بأكبر قدر من المكاسب، وإن كان بطرق غير مشروعة، على اعتبار أن الأموال العامة من السهل جدا التطاول عليها، وكذلك وجود مفهوم آخر يستند إلى أن هناك آخرين قاموا بالاستيلاء على أموال الدولة، فما المانع من التكسب كذلك.
الرقابة والضمير
وأضافت المواطنة مروة النقبي: ان مضمون هذه الجريمة أن الموظف يستولي على أموال الدولة أو الشركات التي تساهم فيها الدولة، فيقوم بالاستيلاء عليها لنفسه بهدف التكسب. مشيرة إلى أن السبب في ذلك، والذي زاد من ظهورها في الفترة الأخيرة، يتمثل في عدة عوامل أهمها غياب الرقابة.
وكما يقال «المال السايب يعلم السرقة»، فإذا انعدمت الرقابة والضمير زاد هذا النوع من الجرائم، وهي جريمة خطيرة لها أثر بالغ في المجتمع. وبينت أن عقوبة هذه الجريمة كما نص عليها المشرع عموما هي الحبس من 3 - 7 سنوات على أقل تقدير، فضلا عن إلزام المختلس بالغرامة المساوية لقيمة ما اختلسه وهذا غير وارد حاليا.
لافته في ضوء كل ذلك إلى أنها تعتبر العقوبة مخففة بالمقارنة مع العمل ذاته ناهيك عن «العفو الحكومي» في بعض الحالات، ما يستدعي النظر في تشديد العقوبة على هذه الجريمة وما يتعلق بها. وهذا حالها حال قيام شخص بالقتل فالحكم عليه بالسجن ثلاث أو خمس سنوات يحرض ضعاف النفوس على ارتكاب جرائم شنيعة، لاعتقادهم بأن الحكم سيكون بنفس المدة بعيدا عن مسلمات القضية الأساسية.
إضرار بالدولة
في السياق ذاته، قال المحامي علي فوزي عبد الحميد: إن جريمة الاختلاس من «اختلاس الأموال الأميرية» ليست من الجرائم التي تضر جهة حكومية بعينها، بل تضر توجهات وسياسيات الدولة لأن مثل هذه الأموال المختلسة قد تكون موجهة من قبل الدولة لقطاع معين كالتعليم أو المواصلات أو الطرق والصحة والزراعة وكذلك الأفراد.
لذا كان حريا بالمشرعين تشديد وتغليظ العقوبة حتى تكون رادعة وصارمة بما يؤدي في نهاية المطاف إلى بتر مثل هذه التصرفات التي تؤثر بالسلب على جميع المواطنين، ومدى أحقيتهم في الاستفادة من توجهات الدولة لمثل هذه الأموال المختلسة. فوجود فضائح للفساد الإداري يضر بسمعة البلد ويؤخر مستوى الخدمات ويعطل معاملات المواطنين.
وبدوره، أشار محمد عبدالله الزرعوني، وكيل أول بنيابة خورفكان الكلية الى أن النيابة تضمنت قضايا مرفوعة من شكاوى وادعاءات من بعض الأفراد والشركات والمؤسسات التجارية والقطاعات البنكية بارتكاب بعض موظفيها مخالفات مالية. كما تضمنت القضايا أيضا السطو على أموال في عهدة شخص أو أشخاص. غير أن قضايا خيانة الأمانة أخذت في التزايد في الآونة الأخيرة وخصوصاً من الجنسيات الآسيوية.
واتفق محمد عبدالله مع المختصين على أن معظم أسباب تجاوزات الموظفين ناتجة من عدم وضع آلية معينة ترشد الموظف أو الفرد وتوعيه بخطورة مثل هذه الأعمال السيئة التي تضره وتضر مصالح الوطن. ودعا إلى ضرورة الوقوف بحزم أمام كل من يستغل وظيفته للإضرار بسمعة الجهة والدولة عموما وبأقسى العقوبات وتنفيذ الحكم عليه دون هوادة.
حيث إن المزور أو المرتشي أو مستغل مكانته الوظيفية لم يخطئ في حق نفسه فقط، بل أخطأ في حق المجتمع ويجب أن يعاقب ويطبق عليه النظام بصرامة كون ضرره يعود على المجتمع بأسره.
كما أن خيانة الأمانة ليست بالأمر الذي لا مبرر له مهما كان فالكثير ممن يقومون بهذه الأعمال يعتذرون بقلة الرواتب، وهذا التفكير خاطئ لأن أخذ المال بغير حق حرام، وهناك طرق كثيرة لتحسين الدخل بعيدا عن الوسائل الملتوية.
مشيرا الى أنه على العكس فلابد أن يكون الحكم أشد وأقوى على الرجل الذي يخون أمانته وعهده الذي عاهد الله عليه وأقسم أن يؤديه بما يتفق مع نهج الدولة والدين. لأنه عندما يقوم بمخالفة ذلك فهو قد خان أمانته ودولته وينعكس ذلك سلبيا على فئات أخرى.
تفعيل الجهات الرقابية
كما أكد الزرعوني في الإطار ذاته بأن هناك العديد من الجهات التي تهتم بالرقابة على المال العام، من خلال هيئة الرقابة والتحقيق وديوان المراقبة العامة إضافة لما تم استحداثه من إدارات للمتابعة في الجهات الحكومية والخاصة كذلك. مضيفا ان الأهمية تكمن في تفعيل مثل هذه الجهات لتقوم بدورها من خلال زيادتها وتدعيمها بالكفاءات البشرية وإعطائها الصلاحيات.
وأردف بقوله إن الجهات الأمنية دائما ما تحذر وتطالب بأخذ الحيطة والحذر في مثل هذه الأمور، وعدم نقل الأموال والعمل على التعامل مع هذه المبالغ بنظام الشيكات أو الحوالات أو إيصالات غير رسمية دون النقد، للحفاظ على الحقوق والممتلكات.
مفارقات عجيبة وغريبة
وذكر ناصر عبيد من سكان الفجيرة: ان قضية الفساد الإداري تمثل آفة موجودة في معظم بلدان العالم، إلا أن المسألة تبقى في تزايد وتأخذ منحنى آخر في تكاثر أشكال وأنواع غريبة من هذه القضايا على المجتمع.
ويعتبر حتى اليوم من الأمور المحرم التحدث عنها خاصة أن معظم الفضائح تطال مديرين أو أعضاء في مجلس الإدارة في العديد من الدول، وصار الفساد متغلغلا بشكل كبير في المؤسسات الخاصة والحكومية على حد سواء، ورغم ذلك لا وجود لحلول ملموسة، إنما فقط محاولات لمعالجة الموضوع عبر أساليب عدة.
مشيرا إلى مفارقات عجيبة وغريبة حول من تحدد عليه المسؤولية بضرورة رد الأموال بمقتضى حكم بات، فما الغاية من إصدار قرارات قضائية لا تكتسي قوة الشيء المقضى به، ويفترض أنها تشمل عقوبات الحبس والغرامات المالية، والتعويضات والمصاريف القضائية.
ولماذا تغيب أيضا المساءلة القضائية لأجهزة الرقابة في المؤسسات التي يكتشف فيها اختلاسات المال العام بعد سنوات أو شهور من ارتكاب الفعل، أو عن طريق الصدفة من أفراد أو غيرها، أو أثناء تشكيل لجان تقصي خاصة بتلك الجهات. ناهيك عن إعفاء بعض ناهبي المال العام من المساءلة القضائية، في الوقت الذي يقدم فيه آخرون أمام القضاء، رغم أن بعضهم قام بإعادة المبالغ الزهيدة المختلسة كما كان يفترض في ضوء هذه القضايا.
وشدد عبيد على أهمية التشهير بمن يثبت إخلاله وتورطه. إضافة إلى توفير إرشاد وظيفي كالمعمول به في أوروبا وأمريكا بحيث يوضح ما للموظف من واجبات وما عليه من حقوق، وتحدد مهامه الوظيفية وكيفية أدائها، على أن تكون هناك متابعة إدارية من جميع المستويات، حتى يتم اكتشاف هذه التجاوزات وتطبيق أشد العقوبة دون محاباة لمرتكبها حتى يصبح عبرة لغيره.
مضيفا ان من إيجابيات هذا النظام إتاحته الفرصة للتواصل الاجتماعي من خلال الاهتمام بمشاكل الموظفين وخاصة المحتاجين منهم، مما يساعد على وضع حد لمثل تلك التجاوزات. فضلا عن إيجاد غرف متخصصة على مستوى القضاء لهذه التجاوزات السلبية في المسائل المالية.
الفجيرة - ناهد مبارك العواني

