على شارع أم سقيم، تظهر لوحة كبيرة للفنان العراقي المعروف ضياء العزاوي تعلو بناية غاليري «ميم»، في منطقة صناعية لا نتوقع أن توجد فيها غاليريهات فن، وكما يبدو أن انخفاض الإيجارات في هذه المنطقة أدى إلى انتقال سبعة غاليرهات إلى هذا المكان.
وغاليري «ميم»، ينشط هذه الأيام بعرض فنانين عديدين ويطمح إلى تقديم المزيد من الفن العربي في أروقته، آخرها معرض ضياء العزاوي. المعروف عن ضياء العزاوي، 39 عاماً، أنه أقام نحو أحد عشر معرضاً، شخصياً في كل من بغداد والكويت وبيروت ولندن وروما إضافة إلى معرض حديث له في أبوظبي بقصر الإمارات. لقد خاض العزاوي أساليب التجريب الفنية منذ ستينيات القرن الماضي، متنقلاً من الانطباعية إلى الحروفية ثم التجريدية، ولكنه لم يبق أسيراً لأية مدرسة من هذه المدارس الفنية. وهذا ما تثبته لوحاته الفنية المتغيرة على مدى الأعوام الطويلة. ولعل تميزه الفني راجع كما يرى غالبية النقاد من تأثره ودراسته للتاريخ والتراث والآثار، وهذا ما زوده بكم هائل من الرموز التي ظل ينهل منها في لوحاته دون توقف.
أعمال غرافيكية وزيتية وأكليركية تجد تقنياتها في اللوحة ذاتها، وهي نتاج لحظة إبداعها، فالمادة لديه مطواعة، كطين بلاد الرافدين التي يعجنها بين يديه ليعطينا كل هذا الزخم الروحي والفكري. هذا التكوين البصري، كما توحي لوحاته المعروضة في دبي، ولوحاته عامة، بأنها تتجذر في الواقع العراقي أكثر فأكثر. فالرمز الموجود في لوحاته يتخطى الواقع، ليتتبع أثر الإنسان في كل حركته.
إنها جماليات قريبة من التراث ومن الإنسان المعاصر، كما لو أن الفنان يسعى إلى ايضاح هذه الرموز ويجعل الإنسان المعاصر أكثر ألفة وإعتياداً لها، فهو يلعب دور المفسّر لهذا التراث وتقريبه من الرؤية البصرية العادية. إنها وظيفة جمالية يريد بها الفنان ضياء العزاوي أن يرتقي بالرؤية البصرية إلى أقصى مداها. ومن هنا تبع أهمية تكويناته البصرية في الوحة، وهي لصيقة لأرث الرافيديني الأصيل.
ولهذا تأسر لوحاته الرؤية البصرية محلياً وعالمياً، فكل منهما يبحث فيها عن جمالياته المتعارف عليها. فالألوان البراقة ليست مجرد ضربة فرشاة مكثفة، يريد بها الفنان أن تكون متميزة بل هي تلك الطاقة اللونية التي تشّبع بها الفنان طيلة حياته الأولى في العراق حتى ولو غادرها إلى مدينة ضبابية مثل لندن.
وفي اتصال هاتفي مع الفنان ضياء العزاوي في لندن، أجاب على سؤال علاقته بالغرب قائلا: «قبل كل شيء غادرت العراق في عمر كنت فيه على وعي بعملي الفني، وبالتالي احتفظت بعلاقة ما بالمنطقة العربية عامة كمرجعيات أساسية بالنسبة لي، وفي الوقت نفسه، عملت على تعميق علاقتي بالغرب. وبمرور الزمن صار عندي اعتقاد أنه لا يمكن تقديم أنفسنا كقطع متحفية لأن ذاكرة المتحف ميتية، بينما نحن أحياء كأي شعب موجود في العالم».
وهنا يتحول اللون إلى خزين الذاكرة بحيث يجعلنا الفنان أن نضيع بين ما هو قديم وما هو حديث، ولم يعد يهمنا من اللوحة سوى التشكيلات التي تثير فينا التذوق الفني والحس التجريدي ودهشة الأكتشاف. إننا أمام فيض لوني وبهجة رؤية، استثنائية في الفن العربي، بحيث تتميز لوحاته من بين ركام اللوحات.
هذه الخميرة من الألوان التي لا تكف عن التكوين يوماً بعد آخر، وسنة بعد سنة في معمار اللوحة «الضيائية»، تكشف عن عمق في الرؤية ومهارة في التلاعب بالألوان كما لو كنا أمام ساحر يطلق روحه في اللوحة، فتخرج الألوان من أعماقه.
في هذا الصدد يقول الفنان: «الفنان المبدع هو الذي يتمكن من انتاج أعمال متنوعة ولكن في مستوى مهني واحد، وأي شيء ينتجه يطل يحمل بصماته ورحيته عبر تنويع مصادر معرفته». وهذه التجربة التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً، تذكرنا بالتنّوع الذي نراه في لوحاته، وهي نتيجة منطقية للبحث والتنقيب الجمالي والفني، الذي دأب عليه الفنان منذ أن خط لوحته الأولى.
والمسافة التي تفصل بين أولى لوحاته وأحدثها، هو عصارة ذلك اللون الذي يشتغل عليه الفنان في مختبره السّري الذي يشبه مختبر أي خيميائي من العصور القديمة. لذلك نجد ضياء العزاوي داخل اللوحة وخارجها، داخل التراث وخارجه، داخل السياسة وخارجها، إنه يوجد بين دفتي كتاب فريد من نوعه.
دبي - شاكر نوري

