ليس هناك أكبر من أحلام الشباب في العمل والحياة والتفوق والحصول على فرص التفوق والنجاح، لكن تلك الأحلام لا تتحقق بعصا ساحر أو بضربة حظ، فواقع الحياة وسوق العمل يفرض شروطه التي تقتضي توفر مهارات عملية وتدريب يساعد على الحصول على الوظيفة أو أيجاد فرص العمل المناسبة.

ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في قلة فرص التدريب الوظيفي خاصة لأبناء الأسر ذات الدخل المحدود، فبرامج التدريب الوظيفي مكلفة ولا تضمن فرص الحصول على عمل، فكيف يواجه الشباب تلك الحقيقة؟ وكيف يمكن أن تسهم المؤسسات الاقتصادية في دعم تلك القضية الاجتماعية؟ وجد بعض الشباب المواطنين فرصتهم في التدريب الوظيفي حين أطلقت شركة بترول الإمارات الوطنية إينوك الدورة الثالثة من برنامج «تحدي اينوك»، بالتعاون مع «هيئة الهلال الأحمر الإماراتي»، و«مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة»، حيث تم اختيار 20 مرشحاً من الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة لتلقي التدريب المهني الذي يستمر على مدى 8 أسابيع بالنسبة لمجموعة الشباب من الأيتام و6 أشهر بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة. وخلال يومهم الأول في التدريب بدا الشباب متحمسين لدخول تلك التجربة كونها تمثل لهم مدخلا للحياة العملية وإضافة جديدة لدراستهم، حيث أنهى معظمهم الثانوية العامة هذا العام، وبدا أن ظروفهم الحياتية الصعبة لم تمنعهم من التفوق الدراسي، حيث زادت معدلات درجاتهم عن 80%، فقد أكدوا على أنهم مهتمون ببناء مستقبلهم بطريقة سليمة إضافة إلى رغبتهم بتحمل المسؤولية ومساعدة أسرهم وتحسين أوضاعها.

يقول سالم محمد خميس، 19 عاما: أنهيت دراستي في معهد التكنولوجيا التطبيقية بمعدل 83%، وبدأت رحلة البحث عن عمل لأساعد أسرتي فأنا أكبر أخوتي الشباب ولابد أن أكون عند حسن ظنهم، وقد جاءت تلك التجربة لي بمثابة فرصة للحصول على تدريب يؤهلني للعمل ويجعلني أعيش تجربة العمل بشكل حقيقي عن طريق التعامل مع المدربين والموظفين الموجودين هنا، وأعتقد أن التدريب التقني سيكون مهما جدا وسيفيدني في الحصول على عمل مناسب، اليوم كان يومي الأول مع برنامج التدريب حيث يبدأ الدوام منذ الساعة الثامنة صباحا وينتهي عند الرابعة عصرا.

فرصة مهمة: أما علا ياسر أمين فقد قالت: تخرجت من الثانوية العامة هذا العام بمعدل 85%، وقد فرحت عندما حصلت على فرصة التدريب، فأنا أحاول أن أكتسب الخبرة وأطور مهاراتي، وأتمنى أن أكمل دراستي في مجال الطب، لكني إذا حصلت على عمل إلى جانب دراستي فستكون لدي الفرصة لمساعدة نفسي ورفع المسؤولية عن كاهل أسرتي، وبصراحة هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها بيئة عمل، وشعرت أنها مشجعة وتقدم لنا خبرات لم نتعرف عليها سابقا. وتعد مريم حسن الحواي من الطالبات المتفوقات، حيث حصلت على معدل 96% في نتيجة الثانوية العامة هذا العام في القسم الأدبي، وهي تحمل طموحات كثيرة تحدثت عنها قائلة: أشعر بالفرح لأني حصلت على نتيجة جيدة في امتحانات الثانوية، وقد زادت فرحتي بفرصة التدريب التي تجعلني أمام تحد جديد في إثبات نفسي، فأنا أطمح إلى دخول كلية التقنية، وهذا التدريب يؤهلني للتميز حتى في الحياة الجامعية، فهناك أشياء كثيرة نتعلمها هنا ولا نجدها في المناهج الدراسية.

خبرات ومعلومات

ويرى محمد يوسف، وهو طالب جامعي في السنة الأولى، أن حاجة الشباب للمهارات الوظيفية تشكل عقبة كبيرة أمامهم عند محاولاتهم الحصول على فرص عمل، فيقول: حين تم ترشيحي من مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر للمشاركة في البرنامج، شعرت أن تلك الفرصة يصعب تكرارها إذ إن برنامج التدريب يعطينا خبرات ومعلومات عن بيئة العمل، ويوفر لنا وظائف في حال استطعنا إثبات قدراتنا ونجاحنا في المجال التدريبي، لذا أسعى للنجاح والحصول على الفرصة الوظيفية لإكمال دراستي الجامعية بطريقة لا تشكل عبئا على أسرتي وعلى أخوتي الكبار الذين يحرصون على مساعدتي ومتابعة دراستي الجامعية. وتتحدث موزة محمود عن دخولها برنامج التدريب قائلة: البرنامج جميل جدا فهو يقوي شخصياتنا ويعلمنا أشياء لم نكن ندرك أهميتها وضرورتها في العمل أو حتى الدراسة الجامعية، وأنا تخرجت هذا العام من الثانوية العامة بمعدل 03،81%، واطمح بدخول كلية الهندسة، وقد فكرت بأن هذا البرنامج سيكون فرصة للحصول على عمل والاعتماد على نفسي، لكن أختي الكبرى تعارض فكرة أن أعمل إلى جانب الدراسة، وحتى الآن أعتقد أنه من المبكر الجزم بقرار العمل فما زلت في بداية مرحلة التدريب.

بيئة عمل حقيقية

يضم برنامج التدريب للشباب هذا العام ستة مشاركين من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تم التنسيق مع مركز راشد لرعاية وعلاج الطفولة لتدريب هولاء الشباب لمدة ستة أشهر، وهي تجربة مهمة لهم. حيث أشارت ليما تحسين علمي، اختصاصية العلاج الوظيفي بمركز راشد ومنسقة البرنامج لذوي الاحتياجات الخاصة إلى أن هذا البرنامج التدريبي هو جزء من برنامج تأهيل كامل يعمل عليه المركز يبدأ مع طلاب المركز منذ سن الخامسة عشرة وحتى تخرجهم في الثامنة عشرة من عمرهم، ويعمل هذا البرنامج على تعليمهم كيفية مواجهة الحياة العملية، ويعلمهم عدة مهارات تجعلهم قادرين على العمل وتحمل المسؤولية، لذا يتم التخطيط لانتقالهم من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ والاندماج بالمجتمع، وقد كانت تجربة التدريب ضمن برنامج تحدي اينوك تجربة ايجابية جدا، إذ انها توفر بيئة عمل حقيقية تستوعب هولاء الشباب وتنمي ثقتهم بأنفسهم وتدمجهم مع الموظفين. فالمشكلة التي تواجه هولاء الشباب هي عدم تقبل بيئات العمل لذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من صعوبات التعلم أو التحديات العقلية، لاعتقادهم أنهم لا يمكن أن ينجحوا في العمل، بينما نجد أن هناك الكثير من الوظائف التي لا تحتاج إلى مهارات عالية يمكن أن تسند إليهم، وبالتالي توفر لهم فرصا أفضل في الحياة وفي المجتمع.

اختبار يحدد المتطلبات

ويوفر البرنامج تدريبا للشباب بناء على اختبارات عديدة تحدد مستوى قدراتهم وما يحتاجون إليه، نقول سميرة الشكري، محللة تدريبية في اينوك ومسؤولة البرنامج: هناك عدة اختبارات يخضع لها المشاركون، منها اختبار اللغة الانجليزية كتابة ونحو، إضافة إلى اختبارات الطباعة والقدرة على العمل الجماعي، ومعرفة قدراتهم في الرياضيات وميولهم الوظيفة، وعلى أساس تلك الاختبارات يتم تقديم تدريب تقني وعملي في مجالات مختلفة مثل إتقان برنامج «مايكروسوفت أوفيس»، وإدارة المكالمات الهاتفية، ومهارات إجراء مقابلات التوظيف وتحمل ضغوطها، وكتابة سيرة ذاتية بشكل جيد، ومهارة الطباعة بشكل عملي إضافة إلى التدريب السلوكي والذي يتضمن اللغة الإنجليزية، ومهارات حل المشاكل، وبناء فريق العمل، ومواجهة الجماهير وخدمة العملاء، ومهارات التواصل وإعداد العروض التوضيحية واثبات حضورهم بشكل مقنع، وقد لاحظت أن المشتركين متحمسون للبرنامج ويتعاملون معه بجدية كبيرة وهو أمر مشجع يبعث على التفاؤل. ويؤكد خالد هادي، مدير الإعلام والتسويق في مجموعة اينوك: أن فكرة البرنامج بدأت باقتراح من أحد الموظفين، وبعد دراستها بدأ التنفيذ بالتعاون مع الهلال الأحمر لتقديم برنامج تدريبي يوفر للشباب المستحقين فرص الحصول على عمل، إضافة إلى توظيف بعضهم في المجموعة، وهذه هي السنة الثالثة على التوالي التي نقدم فيها البرنامج، وقد ضم هذا العام مجموعة من الشباب ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى أن الهلال الأحمر رشح ستة عشر شابا وشابة من خريجي الثانوية العامة ليكون البرنامج نافعا لهم، سواء في الحصول على فرص عمل أو مواصلة دراستهم الجامعية، وسنعمل على توظيف المتميزين منهم حيث تم توظيف ثلاثة شباب العام الماضي، وستعقد اجتماعات دورية مع المتدربين ومشرفيهم كل على حدة لتطوير البرنامج والتعرف على قدراتهم وتقديم التحديات التي تبني مهاراتهم وقدراته، وقد حرصنا عن طريق هذا المشروع على التركيز على الفئة المنسية من المجتمع من الأيتام والمستحقين وذوي الاحتياجات الخاصة، لأننا نهتم ببناء الإنسان ونلتزم بمسؤولية اجتماعية اتجاه مجتمعنا بمختلف شرائحه.

دلال جويد