حضرت روح الشاعر الراحل محمود درويش إلى مسرح قطر الوطني، من خلال قصيدته الأخيرة «لاعب النرد» المسجلة بصوته، والتي ألقيت في إطار حفل موسيقي «ثلاثي العود» لثلاثة إخوة من الناصرة، عايشوا الشاعر طيلة أكثر من 12 عاماً، وحملوا القضية الفلسطينية في موسيقاهم حول العالم... «الثلاثي جبران»، المؤلف من الأشقاء سمير ووسام وعدنان جبران، حضروا إلى الدوحة للمرة الأولى لإحياء أمسية موسيقية، بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس المؤسسة العربية للديمقراطية، واحتفالاً بالقدس عاصمة للثقافة العربية.

العلاقة بين الثلاثي جبران ومحمود درويش ليست بالتقليدية، غير أن الطرفين يتشاركان التعلق بالهوية الفلسطينية، وينشران إبداعهما حول العالم خدمة للقضية والإنسان، وكان للثلاثي فرصة العمل مع درويش طيلة 12 سنة، وقد صنع وسام الذي يعتبر أول عربي يتخرج في معهد أنطونيو ستراديفاري لصناعة الآلات الوترية في إيطاليا عوداً مخصصاً لدرويش، استلزمت صناعته عاماً كاملاً، ووضع وسام على شمسية العود بالعاج عبارة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» من شعر محمود درويش، وعرضت هذه الآلة في متحف اللوفر في باريس، ورآها درويش قبل رحيله بأسبوع. الأمسية التي تابعها جمهور كبير عزف الثلاثي خلالها على 3 آلات من صنع وسام، وقدما أمسية بعنوان «في ظل الكلام»، وهو أيضاً عنوان الأسطوانة الأخيرة للفريق الموسيقي.

وروى»الثلاثي جبران «عن آخر أمسية قدمها مع درويش في الجنوب الفرنسي، وحينها قال الشاعر وهو يودع الجمهور: «أحسدكم لأن المستقبل أمامكم، أما أنا فالمستقبل خلفي»، ورحل بعد 3 أسابيع. وأكد سمير جبران أن «كلمات بهذا الحجم من شاعر كبير إلى ثلاثي متواضع تشعرنا بالمسؤولية دائماً».

وتألفت الأمسية من عدة فواصل موسيقية، مع مقطوعات شعرية منفصلة عن الموسيقى؛ لأن الشاعر الراحل كان مقلاً جداً في طلبه أن تكون الموسيقى مرافقة لصوته، ولأنه مقتنع بأن الشعر بمعزل عن الموسيقى قادر على أن يصل إلى المتلقي. ويذكر» الثلاثي»أن درويش كان يردد له: «عندما تريدون أن تعزفوا معي، يجب أن تكونوا موازين للشعر، وليس مترجمين له».

وذكر الثلاثي كيف أنه عند افتتاح احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية في 21 مارس الماضي، دُعي الفريق إلى فلسطين لتقديم أمسية، وكان من المفترض أن يقدمها في مدينته الناصرة، وفوجئ قبل 4 ساعات من الأمسية بأن هناك أمراً من وزير الداخلية الإسرائيلي بمنع الإخوة من تقديم موسيقاهم في الناصرة.

وهنا علّق الثلاثي: «نحن نقدم موسيقى بحتة من دون كلمات، فلكم أن تتخيلوا ما هو الفن في ظروف الاحتلال، وكم أن الفن يشكل خطراً على المغتصب».. وأضافوا: «في آخر اللحظات دُعينا من الرئيس لتقديم أمسيتنا في المنصة الرئيسة في بيت لحم، ومن هناك فجرنا مقطوعة موسيقية، وبدأت بالقول: «سنترك أناملنا ترقص غضباً على الأوتار». لذلك إن استمرارنا في تقديم موسيقانا ضمن احتفالية القدس في دول عدة، له معنى كبير جداً بأن الاحتلال لن ينال من تمسكنا بالهوية».

ورداً على سؤال حول كيف يمكن أن يكون للثلاثي علاقة بدرويش على مدى 12 عاما، ولم يلحن له أي كلام، أجاب سمير: «قال لي درويش في آخر لقاء: (أرجوكم لا تلحنوا الكلمات، وأحسدكم لأنكم تلحنون موسيقى آلية) سألته: لماذا؟ فأجابني أن (الشعر غير قابل للتأويل، إنما الموسيقى قابلة للتأويل، وإذا لحنت كلمات الشعر فقد تسجن الشعر أكثر مما هو مسجون).

وتحدث الثلاثي عن نجاحه في الغرب، خصوصاً أنه يقدم في أوروبا أكثر من 120 أمسية سنويا، وأكد سمير أن أسطوانة «مجاز» حققت أفضل مبيعات بالموسيقى العربية على مستوى أوروبا.

أما بالنسبة لاحتمال القيام بمشاريع موسيقية بالتعاون مع فنانين غربيين أو عرب، أكد الثلاثي أنه كانت هناك اقتراحات للعمل مع أهم الفنانين في العالم الغربي، لكنه أضاف: «عند التعاون مع طرف آخر يجب أن أضيف لمشروعه الموسيقي وهو يضيف إلى مشروعي، وألا يكون العمل مجرد ديكور أو عنوان».

وختم بالقول: «عندما نشعر أننا استنفدنا التقنيات الموجودة لدينا وطاقاتنا، قد نبحث عن فنانين آخرين. إنما بكل اعتزاز نقول إن المطبخ لدينا لا يزال فائضاً، وهذا الشكل من العزف الثلاثي يعطي احتمالات كبيرة جداً في التأليف».

وتعليقا على السؤال الذي دائماً ما يطرحه الإعلام الغربي على الثلاثي حول احتمال التعاون مع فنان إسرائيلي، أكد سمير الرفض القاطع لذلك حتى وإن كان الفنان يفيد مشروعنا الموسيقي».

الدوحة ـ أنور الخطيب