مازال أهالي الساحل الشرقي يمارسون حرف الآباء والأجداد بحب وشغف، وزراعة أشجار النخيل تأتي في مقدمة الحرف التي يعشقها سكان البوادي والجبال في الفجيرة، فلا يخلو بيت أو عائلة من امتلاك مزرعة أو ما يطلق عليها باللهجة المحلية «النخل»، وذلك من أجل فسل أشجار النخيل والاعتناء بها، وذلك لما للنخلة من قيمة خاصة ترتبط بعاداتهم وتقاليدهم وقيم حياتهم اليومية.
كما ان لموسم تباشير الرطب عادات ارتبطت بأهالي المنطقة، حيث يقول علي الظهوري، من منطقة دبا: مع بداية الموسم نظل نراقب عذوق النخل المحملة بالخيرات في انتظار أن نقطف أول حبة رطب قد أينعت، لنعلن للأهل عن بدأ موسم الرطب، بل وتتزايد المنافسة فيما بيننا للإعلان عن أول حبة قطفت للتفاخر بالإنتاج المبكر. ويحكي لنا راشد حسن الظنحاني، صاحب مزرعتين نخيل من منطقة مربح بالقول: ان للنخلة مكانة كبيرة عند أهل الساحل والإمارات لا يمكن استبدالها بزراعة أي شجرة أخرى، فعلاقة الإنسان بالنخلة علاقة تبادلية، فعلى قدر عناية الشخص بالنخلة يكون المردود ، فالنخلة من الأشجار الكريمة التي تكرم صاحبها وكل أقاربه، فنحن حاليا في موسم تباشير الرطب، وهو الموسم الذي يتبادل فيه الأهل والجيران أولى حبات الرطب، تعبيرا عن الفرحة بقدوم ثمار شجرة النخيل اللذيذة.
فلا يمكن أن يقف حصاد النخلة على أهل البيت بل يتم تبادل ثمارها بين الأقارب والجيران، فضلا عن التصدق بالفائض أو المتاجرة فيه لتعم هذه الثمار الذهبية على الجميع.
الخنيزي والخلاص بالمقدمة
ويذكر الظنحاني: أنه لا يزرع إلا أشجار النخيل، إلى جانب بعض الأشجار الأخرى، مثل الشريش والغاف، وذلك بسبب ملوحة المياه في أرضه الزراعية. حيث تضم مزرعته ما يقارب 200 نخلة من مختلف الأنواع أهمها الصايغي، الشهلاء، الخلاص، الصلاني، النغال والخنيزي. ويأتي في مقدمتها من حيث الطعم والقيمة الخنيزي والخلاص بل وتعتبر من أقدم الأشجار لديه، فقد تم فسلها في عام 1975 وما زالت تحصد الثمار حتى اليوم.
ويميز حسن راشد الظنحاني ما بين الأنواع التي تنضج تقيظ في هذه الأيام وبين أشجار النخيل التي تتأخر والتي يطلق عليها الاخر. فأول الأنواع النغال، وقش حميد وقش خصر التي تقيظ في شهر يونيو.
أما الأنواع، مثل قش صابر والخصاب والهلالي والمكتوم والشهواني واللولو، فيتأخر في النضج حتى نهاية شهر أغسطس ومع بداية شهر سبتمبر. كما يسمح تمايز النضج بين أشجار النخيل بالاستفادة من ثمار كل نخلة في وقتها ليمتد موسم الرطب إلى ما يقارب 6 أشهر من كل عام.
غياب الدعم الحكومي
ويشيد الظنحاني بالنخلة التي كانت تعد في الماضي موطنهم الذي أكلوا منه واستظلوا بظلة وتاجروا بثماره الطيبة، وحتى مخلفاتها من التمور والحشف في غذاء مفيد للحيوانات.
إلا أن الوقت الحالي جاء صعبا على كل من أشجار النخيل وصاحبها، فقد كثرة الآفات التي تصيب النخلة وقل الاهتمام بها من قبل الأجيال الجديدة، وتفاقمت مشاكل المياه في المزارع حتى بات الجهود التي يبذلها المواطن في إحياء مزرعة من النخيل تقدر بالذهب. خصوصا مع غياب الدعم الذي يتمناه المزارع من الدولة لإبقاء هذا الرمز حيا يتوارثه الأجيال.
الاستعداد لموسم الرطب
وأما عن الاستعداد لموسم الرطب فيحدثنا علي سالم الكندي بالقول: ان موسم الرطب من المواسم الجميلة التي يستعد لها أهل البوادي بشكل كبير، فلمواسم جني الرطب تحضيرات خاصة لابد أن يقوم بها أصحاب مزراع النخيل، تبدأ مع بداية الطلع والتلقيح وتنتهي بعملية اليداد، وهي عملية قطع عناقيد الرطب من الشجرة الأم وفرزها للتصنيع والتجفيف وغيرها، وذلك في نهاية الموسم.
ويضيف: بأن الرطب هي أحد المراحل التي يمر بها ثمار النخيل التمر، حيث يبدأ بالطلع ثم الخلال ويكون لونه أخضر ثم البسر ويتميز بلونه الأصفر أو الأحمر، ثم تبدأ مرحلة الرطب (منصف أو تام الترطيب). ويمتاز الرطب بأشكال جذابة وألوان تتباين ما بين الأحمر والأصفر مع وجود بقعة من اللون البني الغامق. بعد ذلك تبدأ مرحلة التحول إلى التمر النضوج التام.
فمع بروز العناقيد المحملة بحبات الرطب الخضراء في رؤوس أشجار النخيل تبدأ عملية تنظيف النخلة من الخوص أو السعفات اليابس وتسيير العناقيد وتنزيلها، وذلك لوضعها في مواضع قريبة من بعضها تسهيلا لعملية جني الثمار.
فعملية التسيير تتم في الأنواع التي تتميز عناقيدها بسيقان طويلة بحيث تكون بعيدة وتفرقة، فيعمل صاحب النخل على تقريب العناقيد العذوق وربطها بصورة قريبة من الساق ليسهل بعد ذلك جني حباتها الناضجة في الوقت المناسب، في حين تتطلب أشجار النغال ذات عناقيد صغيرة الساق إلى تنزيل العناقيد العذوق المثمرة على بعض السيقان القوية لسعف النخيل وذلك لتحقيق نفس النتيجة السابقة.
تأثير الجو في الرطب
ويضيف الكندي أن للطقس تأثيرا كبيرا على مقيظ الرطب فأشجار النخيل في البوادي أو المناطق الجبلية خصوصا النغال تحتاج إلى السموم أو الهواء الحار الجاف لكي تكون نتيجة حصاده وطعمه أفضل، فالهواء الشرقي والرطب والذي يسمى الكوس قد يعمل على إفساد طعم حبات رطب النغال وبشكل عام يفسد ثمار نخيل البوادي الذي يتميز بجفافه وصلابة حباته. فتجد أن حبات النغال تكون لينة وذات لون أصفر غير مائل للنضج.
في حين أن ثمار أشجار النخيل الساحلية أو التي تزرع في الحضر مثل الصلاني، الشهلة، أم الندى، تقيظ بصورة أفضل في جو «الكوس» أو الشرقي وينعكس ذلك على حبات الرطب الممتلئة بالدبس وطعمها يكون غنيا بالسكر. بحيث يطلق على هذه الأنواع بأشجار الصنع لأن ثمارها تتحول لتمور وتصلح لتعليب وإنتاج الدبس.
وتنتهي اخر مراحل حصاد الرطب بتقطيع كافة العناقيد المعلقة في الشجرة بعد أن يتم نضج ما يقارب ثلثين من حبات الرطب. بحيث يترك المجال للباقي بالنضج تحت أشعة الشمس بوضعه على مسطاح نظيف ليكون جيدا للأكل. في حين تقدم البواقي للحيوانات.
إقبال طيب على السوق
علي النقبي، بائع رطب يقول: في هذه الأيام بدأ عرض كميات من ثمار الرطب مع بداية موسم حصاد المحصول هذا العام، وبدأ عملية بيع ثمار الرطب في سوق الخضار والفاكهة بصورة نشطة شهدت عرض أصناف مختلفة من رطب النغال.
ويؤكد النقبي أن السوق سيشهد خلال الأيام المقبلة عرض كميات أخرى من الرطب وبكميات كبيرة ومن المتوقع أن تنخفض الأسعار تدريجيا.
الفجيرة - ابتسام الشاعر

