بعد دورتين اختير في كل دورة منهما «أميرا للشعر»، بدأت الليلة قبل الماضية أولى أمسيات الدورة الثالثة من برنامج «أمير الشعراء» الذي تنظمه وتدعمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وتنفذه شركة براميديا. وحضر الأمسية التي أقيمت على مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث محمد خلف المزروعي، وحشد كبير من محبي الشعر الفصيح، الذين جاؤوا ليستمعوا إلى سبعة شعراء من أصل 35 شاعراً مشاركاً وهم: تركي حسين عبد الغني من الأردن، ووليد الصراف من العراق، وجيهان بركات من مصر، وولد متالي لمرابط بن أحمد من موريتانيا، وناصر لوحيشي من الجزائر، ومحمد الضبع من اليمن، وجمال الملا من عمان، ليتأهل منهم في نهاية الحلقة التي بثت على الهواء مباشرة على تلفزيون أبوظبي، ثلاثة شعراء للحلقات الأخيرة من المسابقة.

في مستهل الأمسية، استعرض مقدم البرنامج المذيع حامد المعشني، آلية المسابقة والتأهل للمراحل اللاحقة، والتي أضيف إليها قرار اللجنة إخضاع صاحب أدنى الدرجات، لسؤال إن أخطأ الإجابة عنه، يخرج من المسابقة، وبالتالي لا يخضع لعملية التصويت. وتميزت الأمسية بحضور لافت للفنان المصري علي الحجار الذي غنى فأطرب، وسط تصفيق وتفاعل الجمهور، كما حفل البرنامج بآراء نقدية متقاربة لما قدّمه الشعراء من نصوص، حسمها قرار لجنة التحكيم المكونة من الدكتور علي بن تميم، والدكتور عبد الملك مرتاض، والدكتور صلاح فضل، والشاعر نايف الرشدان، والدكتور أحمد خريس، بتأهّل تركي حسين من الأردن إلى المراحل المقبلة من المسابقة، بينما حسم تصويت جمهور المسرح تأهل ولد متالي مرابط من موريتانيا الذي حصل على أعلى نسب وهي 42%، على أن تعلن النتائج النهائية للمتأهلين الإضافيين الذين سيختارهم الجمهور مساء الخميس المقبل.

ومن بين أجواء قلعة الجاهلي التي تجسدت بديكور مسرح شاطئ الراحة، إذ شكلت القلعة واحتفالية مئوية الشيخ زايد الكبير «ثيمة» المسابقة لهذا العام، وذلك ما للقلعة من أهمية تاريخية. ووسط ذلك، ركز الشعراء على العديد من موضوعات الشعر مثل الغزل والوجدانيات، فجاءت قصائدهم وجدانية متشبعة بالعمق الإنساني، مقاربة من الروحانيات، التي تجاوزها بعضهم للصوفية، بينما استعاد آخرون التجارب الشعرية الوطنية بأسلوب حديث. الموضوعات التي قدمت في القصائد، أدت إلى تفاعل كبير بين الشاعر وجمهوره، وأظهرت ضرورة النقد في تصويب تجارب الشعراء ومسيرتهم الإبداعية، من خلال ما أبداه أعضاء لجنة تحكيم المسابقة من آراء نقدية عبّرت عن أزمة نقدية، وعن أهمية النظر إلى نتاج الشعراء المشاركين. ورأى الشاعر نايف الرشدان في قصيدة تركي حسين «على قدر التعلق» لغةً شعرية مدهشة لها جماليتها، معتبراً أن اللغة عنده أعلى من الصورة، وتمثل حالة روح واحدة.

بينما أشار الدكتور أحمد خريس إلى أن ثقة الشاعر القوية ولغته المتميزة في بعض الأبيات، تجعل من هذه القصيدة نصاً شعرياً متميزاً. وأشار الدكتور صلاح فضل إلى أنّه من حق الشاعر أن يعبر بحرارة عن وهج الصبا بلغته الجزلة، وعبارته القوية وحماسته الحارة، وأن لوعة المشاعر في هذه القصيدة لا تزيح تكلف العبارة. وأجمع أعضاء لجنة التحكيم على اعتبار أنّ قصيدة جمال الملا التي أهداها للشاعر الراحل خالد السعدي، تشف عن شعرية واضحة. وقال د. أحمد خريس انها قصيدة مترعة بالألم، وإن جابهت مشاعر إنسانية، فحسن النوايا لا يأتي بالشعر الجيد دوماً. واعتبر الدكتور علي بن تميم أن في القصيدة امتزاجاً للشعر والقصة في العنوان «يتامى تركت نخيل الضفاف» كأنها تلامس الروح لكثرة شاعريتها، في قصيدة متضمنة مزجاً جميلاً في صياغاتٍ لغوية مبتكرة عن الموت. أما الدكتور عبد الملك مرتاض، فقد قال إن النص فيه الكثير من السردية والمباشرة الواضحة.

وأشاد أعضاء لجنة التحكيم في قصيدة «في مرايا الرحيل» للشاعرة جيهان بركات إذ قال عنها الشاعر نايف الرشدان أنها شاعرة متميزة، ولكن ما أضعف اختيارها للنص أنه لا يمثّل خياراتها الشعرية الجميلة، وقال د. بن تميم في هذه القصيدة بوح أنثوي رقيق، وكأن القصيدة تدور في الرحى، أمّا الدكتور فضل فرأى أن نبرة الشاعرة الأنثوية متماسكة، وتدور حول بؤرة محددة وهي صهيل الأشواق والأماني، وكأنها تسبح في عوالم نازك الملائكة وفدوى طوقان.

وقال الدكتور عبد الملك مرتاض أن محمد الضبع لم يوفق في اختيار عنوان القصيدة «أغنية لصعود أبدي» ، أمّا الدكتور صلاح فضل فقال إن محمد يقدم حالة شعرية متألقة، وتقترب إلى ما نعتقد أنه صوفية الفن وليس صوفية الدين، ورأى الشاعر الرشدان أن الشاعر أساء في اختيار النص لمباشرته وسرديته.

ولاحظت لجنة التحكيم تميزاً باللوحات الشعرية في نص ناصر لوحيشي «قبس في المرايا»، قال عنه الدكتور خريس أن ناصر يملك حس الشاعر ورهافته، كما انصفه د. فضل بقوله إن النص تميّز بظاهرة موسيقية جميلة تمثلت بإيقاع هادئ، ونمّ عن تجربة وجدانية عميقة، فهو نص مفعم بالشعرية الحقيقية. ورأى الدكتور علي بن تميم أن القصيدة أتت كدليل واضح على عدم وجود التجربة في القصيدة، فالإحالات فيها غير منطقية.

واعتبر الدكتور خريس أن ولد متالي لمرابط بن أحمد يستعمل لغةً راقية ترقى إلى اللغة الشعرية، فهي ممسكة بناصية الشعرية القديمة والتراثية. ورأى الدكتور فضل أن القصيدة مدهشة ومفاجئة، بينما شكره د. بن تميم على القصيدة الجميلة التي تقف على صخرة التكلف.

وأشاد أعضاء لجنة التحكيم بقصيدة وليد الصراف «آخر صورة لبغداد»، ونُضج تجربته ولغته الشعرية، التي تأسر الشعر بلغة جزلة جميلة وتسحر وتبهر.كما رأى الدكتور عبد الملك مرتاض، وقال الدكتور علي بن تميم ان النص استعاد قصيدة الجواهري، وأن أجمل ما في القصيدة حين ينظر الشاعر إلى نفسه، معتبرا أن الشاعر يمتلك حساً ووعياً شعرياً وقدرةً ذكيةً على استدراج القارئ إلى فخ الاستمتاع بنصه، ووافقه الرأي الشاعر نايف الرشدان، مشيراً إلى هيمنة الإحساس على هذه القصيدة.

وفي نهاية الحلقة أعلنت اللجنة عن اختيارها تركي حسين ليتأهل إلى المرحلة التالية بحصوله على أعلى نسبة تصويت (44%)، فيما وليد الصراف على (43%)، وجمال الملا (32%)، وناصر لوحيشي (33%)، وولد متالي لمرابط بن أحمد على (30%)، ومحمد الضبع (30%)، وجيهان بركات( 24%)، يذكر أنه في نهاية المسابقة، يحصل الفائز بالمركز الأول على لقب «أمير الشعراء»، وجائزة مالية قدرها مليون درهم إماراتي.

إضافة إلى جائزة بردة الإمارة، والتي تمثل الإرث التاريخي للعرب، وخاتم الإمارة والذي يرمز للقب الإمارة، كما يحصل الفائزون بالمراكز الأربعة التالية على جوائز مادية قيمة، بالإضافة إلى تكفل إدارة المسابقة بإصدار دواوين شعرية مقروءة ومسموعة لهم.

أبوظبي ـ عبير يونس