هناك مثل شعبي تناوله أجدادنا ونتناوله نحن في الحاضر للعديد من المواقف التي تستدعي الاستشهاد به. مثل من ست كلمات لكنه يحمل معاني كثيرة تنطبق على ما نراه ونسمعه في حياتنا اليومية من قصص تروى.
المثل يقول: «اللي يبا الدح ما يقول أح» بكل بساطة واختصار تعني هذه الكلمات القليلة أن من أراد السعادة والنجاح، عليه أن يسعى إليهما، وعليه ألا يتصور أن طريق النجاح والتميز سهلة، ومهما واجه من مشقة وتعب يجب ألا يشكو من العواقب المترتبة.
حضرتني عدة أمثلة بسيطة مما نسمعها بشكل شبه يومي من أهلنا، حسب المواقف. ومنها هذه المقولة الشعبية الجميلة التي تنطبق هذه الأيام على ما نراه في أسواقنا ومراكزنا التجارية، حيث نشاهد فتيات في عمر الزهور لا يتجاوزن العشرين ربيعا من أعمارهن، وهن متبرجات تبرجا لافتا للأنظار، مما يعرضهن للتحرشات والمعاكسات، وتكون ردة فعل الفتيات شحنة من العصبية و«النرفزة» والتلفظ ببعض الكلام المشين موجها للمعاكسين.
نعم، المعاكسات ظاهرة سلبية لا تتناسب مع ديننا وقيمنا وعاداتنا، ولكن ما يدفع الشباب أصحاب العقول أو القلوب الضعيفة هو المظهر المتعمد والملفت للفتيات، فترى رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة كما وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف، أي كظهر الإبل ذو سنامين، وترى وجوههن مملوءة بالألوان الفاقعة والغريبة مما يساعد ويؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة السلبية أكثر، ولكن ما نقوله لهذه الفئة من الفتيات «اللي يبا الدح ما يقول أح».
أي إذا أردتن الإطراء وسماع الكلام الجميل أو الغزل بسبب تبرجكن وأزيائكن، فليس من حقكن الغضب والسب. ظاهرة سلبية أخرى ينطبق هذا المثل الشعبي عليها، هي ظاهرة الزواج من أجنبيات، عديد من الشباب المواطنين ممن يذهبون للدراسة أو العمل في الخارج، لكن بعضهم يرجع ومعه زوجة من جنسية غربية ذات ديانة وعادات مختلفة تماما عن عقيدة وثقافة الزوج، وينجب منها أطفالا، وسرعان ما ينتهي هذا الزواج وغالبا بالطلاق نتيجة الاختلافات الدينية والفكرية المتباينة.
وأحيانا قد لا ينتهي الأمر عن حدود الطلاق فقط، بل هناك من الأجنبيات من يقمن بالهرب مع الأبناء إلى بلد الأم، أو رفع قضايا على الزوج مطالبة إياه بالعودة بها إلى ديارها مع الأبناء، فيحصل التشتت الكامل بينهم، وينشأ الأبناء بعيدا عن حجر أبيهم ويقف الأب نادما على هذه الزيجة التي لم تجلب له إلا الشقاء والحسرة، ولأبنائه التعاسة والتشتت، وأيضا هنا نستدعي المثل ليقول لمثل هذا الزوج الذي كتب على نفسه المشقة «اللي يبا الدح ما يقول أح».
كذلك ينطبق على فئة من الشباب من ذوي الدخل المحدود، حين يكون أحدهم في سن يجب ألا يفكر إلا في الاستقرار وفي بناء المستقبل والمحافظة على المال لاحتياجات أساسية مثل بناء البيت والزواج. ولكن ما نراه حاليا من البعض الاهتمام بالكماليات والشكليات التي لا فائدة منها، ففي ظل انتشار البنوك والتسهيلات التي تتيحها للشباب يجد فيها الشاب عرضا مغريا تحت مسمى أقساط أو قروض مريحة.
فلا يفكر إلا في من حوله من مَن أنعم الله عليهم، يراهم وهم يقودون سيارات فارهة تصل قيمتها إلى النصف مليون درهم، فلا يفكر كثيرا ولا يستشير أحدا، وإنما عرض البنك بين عينيه فيسرع إليه ليقتني إحدى هذه السيارات بأقساط تصل ألوف الدراهم شهريا، وعندما تحيط به حاجة فعلية ومن الضروريات للمال، يجد أنه أنفق كل ما لديه على قطعة من المعدن لا تسمن وتغني من جوع.
ونسمع عبر البرامج الإذاعية عن حالات عديدة من المشاكل منها مشقة دفع الديون المترتبة من ضروريات وكماليات، وأحيانا تصل إلا التسول على الهواء مباشرة مطالبين بمساعدة مالية لأجل تسديد الديون المرهقة، حيث يدرك أن السيارة الفارهة والفاخرة لم تنفعه في شيء، بل أشقته وتسببت في كسر ظهره بالديون، نرجع ونقول لهذا الشخص أيضاً «إلا يبا الدح ما يقول أح».
آخر وليس أخيرا، في الماضي الجميل هناك حكم وأمثال تحمل العديد من الرسائل والمعاني الجميلة واللطيفة، منها ما يأتي في صيغة جادة ومنها ما يكون في شكل هزلي أو ذو طابع ساخر، فما قاله الحكماء من قبل يدل على حقيقة تجاربهم في ما نراه اليوم، وهو ما ينطبق على كثير مما نراه ونسمعه بالفعل يوميا، من أشخاص سعوا إلى الرفاهية والكمال بهدف السعادة، لكنهم وضعوا أنفسهم في مطبات حرمتهم لذة الفوز بالمراد، ودفعتهم إلى الشكوى وطلب العون، فما نملك إلا ان نردد عليهم المثل نفسه، «اللي يبا الدح ما يقول أح»!!
عبيد علي شهدور - دبي
