بين الفينة والأخرى تخرج قنوات للنور، وتسدل أخرى الستار على مشاهدها الأخيرة. وبين هذا وذاك تتدخل عملية فرز جلبتها الأزمة المالية العالمية مؤخراً؛ مما يؤدي إلى صمود وبقاء ما كان هادفاً من قنوات ومما يحترم عقلية مشاهديه، ويسقط وينتهي ما كان هابطاً في الأساس ومما يستهين بمتابعيه.
وفي ظل هذا الزخم المرئي من القنوات العربية الفضائية لنا أن نتساءل: هل هنالك جدوى من زيادة عدد الفضائيات العربية؟ ما الذي يمكن أن تسهم فيه لتطوير ثقافة المشاهد العربي عموماً والخليجي خصوصاً؟ ما جدوى هذه القنوات التي تسلب المشاهد الكثير من الوقت دون فائدة تذكر، أو توعية يستفاد منها، أو إرشاد يقدم له وخصوصاً في ظل انتشار وباء «أنفلونزا الخنازير» الذي قد يطال أي فرد منا في أي مكان بالعالم، فهل تتكفل هذه القنوات بتقديم الطرق والوسائل لكيفية الوقاية منه؟
تكفي نظرة واحدة لقناعات ربما لا تتغير إلا بتغير سياسة القناة نفسها ونوعية برامجها والشريحة المستهدفة؛ فالغالب على هذه القنوات الهابطة أنها تفتقد أهم قاعدة في العمل الإعلامي وهو «الرؤية» فهي تتخبط في برامجها، وفي طرق معالجتها لما يستجد من أحداث، والضحية بالطبع هو المشاهد العربي الذي ساعدت مثل هذه القنوات في «تسطيح» ذهنيته وقصر نظره.
قنوات تمارس تأثيراً جدياً في عقول شبابنا، به تسلبهم هويتهم الثقافية والفكرية، وتؤسس لجيل لا يحمل قضاياه العربية والقومية محمل الجد، ولا ينشغل بها بقدر ما يشغله مسايرة الموضة التي إن حُمل عليها يلهث أو إن تركها أيضاً يلهث.
قد لا ينتبه القائمون على هذه القنوات لمثل هذه الأمور وما ترسخه في أذهان شبابنا لأنه بكل بساطة يهمها المكسب التجاري معللة سياستها بأن «الجمهور عايز كده» ويتم ذلك بشهية مفتوحة تلتهم ما تبقى من قيم لدى شبابنا في ظل غياب الإعلام الهادف الذي يبني ولا يهدم ويعمق ولا يسطح، ويقدم دون أن ينظر ماذا أخذ.
من خلال متابعتنا للمشهد الإعلامي وخصوصاً في الفترة الأخيرة نؤكد أن كل ما يعرض على فضائياتنا العربية، باستثناء القليل منه، لا يمت لنا بصلة لكون معظم البرامج منقولة من الخارج، نسخة في فكرتها وربما الديكور نفسه، والجديد فيها أن أشخاصها يتكلمون العربية.
للأسف الشديد نحن نمر بمرحلة الاستنساخ الإعلامي، وليت القائمين على الإعلام العربي يستصدرون «فتوى إعلامية» بتحريم هذا النوع من الاستنساخ لما فيه من طمس لهويتنا وعقولنا العربية.
العقل العربي قادر على أن يفكر ويبتكر، ولكن مشكلته أنه إذا وجد من يفكر له تقاعس وتكاسل.
وخلاصة القول إننا مع التطوير والانفتاح الثقافي في عصر ذابت فيه حواجز الاتصال وأصبح الكون قرية صغيرة. ولكن لابد من وقفة جادة لتصحيح مسار الإعلام بما يتناسب مع طبيعتنا العربية وثقافتنا الإسلامية حتى نتمكن من بناء جيل واعٍ بقضاياه، متمسك بعروبته.
مجيب هزاع ـ دبي
