تعددت الصور التي يقدم من خلالها شباب المواطنين على خدمة الوطن والاعتراف بجميله، ولأن باب المنافسة مفتوح على مصراعيه أمام الاجتهادات.

فقد اختار مجموعة من الشباب، جمعهم حب الوطن والتفاني في خدمته، أن يقضوا ساعات طويلة تحت الشمس، يتفحصون بقايا قطع التاريخ التي تنتظر أياديهم الخبيرة لتنتشلها من تحت الرمال، وتنفض عنها غبار الزمان، وتقدمها هدية للأجيال القادمة. هؤلاء هم أعضاء أول فريق مواطن يعمل في مجال التنقيب عن الآثار في الدولة، الذين اختاروا أن يقدموا خبراتهم وعلمهم وجهودهم عن طيب خاطر إلى الوطن، وتوجوا جهودهم بنجاح كبير من خلال ما كشفوا عنه من آثار في موقع الدور الأثري في أم القيوين بفضل التفاهم والتعاون والتناغم الذي جمعهم في هذه المهمة، وكان سر نجاحهم الحقيقي.

يقول حمد المطيوعي، أحد أعضاء الفريق: إنه فخور لانضمامه وعمله ضمن أول فريق مواطن يعمل في مجال الكشف عن الآثار، ويضيف: إن ترشيحي للعمل مع الفريق تم عن طريق دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي والتي أعمل بها، وأعتقد أنها كانت فرصة جيدة لإبراز الدور الحضاري للمنطقة، والكشف عن الآثار القديمة التي يزخر بها موقع الدور في أم القيوين، وغيره من المواقع الأثرية في الدولة.

سعادة وخبرة

ويشير المطيوعي إلى أنه يشعر بسعادة بالغة لأن هذا الموقع تمت المحافظة عليه للاستفادة من محتوياته ذات الأهمية التاريخية، كما يعتبر التقدم في هذا المضمار ضرورة تفرضها المعطيات الثقافية والتاريخية للإمارات، حيث زاد معدل الاكتشافات الأثرية بصورة كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، ومن المؤكد أن سعي وزارة الثقافة للحفاظ على هذا الموقع، يعد من البوادر الطيبة التي نعمل على مساندتها دوماً للحفاظ على تراث الوطن.

ويضيف المطيوعي أنه شارك من قبل في خدمات المسح والتنقيب الأثري في عدة مواقع تابعة لدائرة السياحة والتسويق التجاري بدبي، كما شارك في عدة دورات تدريبية في الأردن تناولت البحث الأثري والتنقيب والمسح، كما اشترك مع فريق أردني عمل في دبي منذ عدة أعوام، واكتسب من خلال كل ذلك خبرات جيدة ساعدته على العمل في موقع الدور بأم القيوين.

وأكد حمد على أن الباحث الميداني في مجال الآثار لابد أن يتحلى بالعديد من الصفات أهمها التعطش لمعرفة تاريخ هذا الوطن وتراثه، ومنها تقديره لأهمية المكتشفات الأثرية في إلقاء الضوء على الحضارة القديمة لهذه المنطقة، والتي يثبت التاريخ أنها موغلة في القدم.

شرف كبير

ويقول حمدان الراشدي، أحد أعضاء الفريق: أن المشاركة في هذا العمل الوطني تعتبر شرف كبير يسجله التاريخ بأحرف من نور، وفي أحلام كل فرد من أبناء هذا الوطن المشاركة ولو بجزء يسير في الكشف عن أسرار ومقتنيات العصور القديمة، للوقوف على أسباب نجاحها وتغلبها على العديد من التحديات التي واجهتها، وأهمها تحدي الطقس القاسي.

ويضيف الراشدي أنه شرف بالعمل مع الفريق من خلال ترشيح موقع عمله، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وهو ترشيح يعتز به لأنه ينم عن ثقة كبيرة يتمنى بمقتضاها أن يكون عند حسن ظن الوطن وقياداته، ويستهدف من خلال مشاركته مع الفريق في عمليات المسح والتنقيب في موقع الدور بأم القيوين التعرف على الموروث الأثري، والحضارات التاريخية التي شاهدتها الدولة، وبذلك نستطيع الحفاظ على تاريخ وآثار دولتنا.

ومن خلال دراسته لعلوم الآثار في الأردن، ومن خلال رحلاته الاستكشافية في مختلف دول الخليج، جنى المزيد من الخبرة في هذا المجال، وزاد من كفاءته في تطبيق ما تعلمه، وأيضاً لا ينسى أن يشيد بالاستفادة من خبرات زملائه في هذا المجال.

ونبه الراشدي إلى أن مجال البحث في الآثار لا يتوقف عند حد محدد ولا يكتمل عند مكان، لأنه من العلوم المتجددة باستمرار، والباحث لابد أن يطالع الجديد ويقرأ في التاريخ، حتى يصقل ثقافته العامة من ناحية ويساهم في معرفته بقيمة ما يقوم به لخدمة الوطن من ناحية أخرى. وأعرب عن أمل في أن تكون مسؤولية الحفاظ على الآثار على عاتق كل مواطن ووافد في هذه الدولة بالتعاون مع الجهات التابعة للآثار في كل إمارة.

إنجازات مماثلة

ويضيف حمدان: باعتبارنا أول فريق وطني يقوم بعملية المسح والتنقيب في منطقة الدور في أم القيوين، وبعد الاكتشافات الأثرية التي ظهرت معنا في تلك المنطقة، وموافقة حاكم أمارة أم القيوين بإقامة سياج حول المنطقة الأثرية بأكملها، أشعر بالفخر للثقة التي أعطيت لنا بهذا الانجاز الغير مسبوق والذي نال صدى واسعا على مستوى الدولة، وهذا كله يزيد من مسؤوليتنا تجاه مشاريعنا المستقبلية ونطمح لتحقيق انجازات مماثلة في المستقبل. كما نتطلع إلى المزيد من مشاريع الكشف الأثرية، ونحن على أتم الاستعداد لمواجهة التحديات في الفترة المقبلة وتقديم الأفضل في مجال تخصصنا.

وعن أهم الإنجازات السابقة له في مجال الآثار يقول: قمت بالمشاركة في عمليات مسح تنقيب عديدة في هي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في مناطق مختلفة لإمارة أبو ظبي، أيضاً المشاركة مع جامعة يل الأميركية للكشف عن الحفريات في المنطقة الغربية لإمارة أبوظبي، إلى جانب عدة مشاركات خارج دولة الإمارات، أولها في المملكة الأردنية الهاشمية سنة 2006-2007، وبعدها مشاركتين للمسح والتنقيب الأثري المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي سنتي 2007-2008 و2008-2009. وآخر مشاركاتي كانت في منطقة الدور في أم القيوين مع الفريق الوطني.

الظواهر التاريخية والقبائل

ويرى حمدان العليلي: إن الهدف الرئيس الذي حاول تحقيقه من خلال تلك الفرصة، التي وضعته ضمن أول فريق وطني للتنقيب والبحث في مجال الآثار، هو التعرف على الظواهر التاريخية والتعرف على القبائل التي كانت تسكن في منطقة الدور قبل آلاف السنوات، ويضيف أن ترشيحه للانضمام للفريق جاء من قبل المستشار عبد الله جاسم المطيري، مدير المواقع التراثية بدائرة السياحة، «وهو ترشيح يضعني في موقع مسؤولية ليس فقط من الناحية المهنية، ولكن أيضاً مسؤوليتي تجاه الوطن والتي أعتبرها أمانة يجب الحفاظ عليها.

وأشار العليلي إلى أن هذه التجربة كانت الأولى بالنسبة له.. إلا أن ما تحتويه من ثراء ثقافي وعلمي تجعله حريص على خوضها مرات عديدة، ويضيف: أتمنى الالتحاق بأي نشاط يتناول المسح الأثري، وأعتقد أن هذا النشاط عندما يقوم به شخص مواطن فإنه يشعر بحميمية تربطه ليس فقط بالمكان، ولكن تشعره أيضاً بالفخر والاعتزاز لأنه يبحث في تاريخ الوطن، ولا أعتقد أن أحداً سيكون أقدر منه على فهم وتحليل وتسجيل ورصد هذا التاريخ وظواهره المتمثلة في القطع الأثرية التي يتم استخراجها من المواقع الأثرية.

وعن مستقبل عمليات البحث والتنقيب يقول حمدان: أن المسألة تعتمد على ما يختفي تحت الأرض وبين الرمال من آثار قديمة وظواهر لحضارات قديمة اختفت وحلت محلها حضارات أحدث، وبالتالي فمازال البحث مستمراً عن مثل هذه الظواهر، ويقينه أن هناك من الأسرار المدفونة ما يفوق الأسرار التي كشف عنها النقاب.. فمازال المجال بكراً ينتظر المزيد من مجهود الباحثين والعلماء في الكثير من التخصصات، ومازال المجال ينتظر أبناء الوطن ليشمروا عن سواعدهم ويساعدوا في اكتشاف تاريخ الوطن الذي يفخرون بالانتماء إليه.

توثيق المواقع

ويقول علي المقبالي، أحد أعضاء الفريق: تم ترشيحي للعمل مع الفريق عن طريق جهة عملي بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وذلك في إطار التعاون المشترك مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع.

ويضيف: أطمح إلى المحافظة على المواقع الأثرية وحمايتها، وتوثيق المواقع بصورة علمية دقيقة، والخروج بنتائج تبين مدى أهمية موقع دولة الإمارات بالنسبة لمختلف الحضارات، ومدى التنوع الثقافي للدولة من خلال تنوع الحقب الأثرية والفترات الزمنية.. مع عدم الإسراف في التنقيب الأثري، وذلك لترك المجال للأجيال القادمة للتعرف على حضارتنا والتعامل معها بنظرتها.

ويضيف المقبالي: إن النجاح الحقيقي الذي تحقق في موقع الدور وهو مفخرة بالنسبة لأي مواطن يعمل في مجال الآثار، وهو تشكيل نواة لفريق وطني أثري تعامل مع المشروع بجدية ومهنية عالية حسب الإمكانات المتوفرة، وهو يشكل النواة الحقيقية لفريق أكبر وأكثر خبرة بالمستقبل القريب، ولكن ذلك لا يأتي إلا عن الطريق الاحتكاك بالبعثات الأجنبية السباقة في هذا المجال، وحث أبناء الوطن على دراسة علم الآثار بشكل متخصص، وذلك لندرة خريجي هذا التخصص بالدولة، والمشاركة في التنقيب الأثري بالداخل والخارج.

ويذكر أن علي شارك كمنقب آثار في العديد من المواقع في دول مختلفة مثل المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت، وكمنظم لمعارض الآثار في الإمارات والمملكة العربية السعودية.

أيمن حجازي