عبر آلاف السنين بحث الإنسان عن البلسم الذي يخفف وطأة آلامه ويحارب به أنواع الفيروسات التي تضعف جسده وتقربه من النهاية، حتى صار الدواء سلاح الحياة ضد المرض، فهل يعقل أن تتحول أفضل اكتشافات البشر إلى أعداء تهدد أرواحهم وعقولهم، وهل يمكن أن تكون الأدوية التي يصفها طبيب مختص مدخلاً إلى عالم الإدمان وضياع الشباب ومستقبلهم؟، وهل يمكن للأدوية المهدئة التي تحسن الوضع النفسي للمريض هي ذاتها التي تسبب الهلوسة والمشكلات الصحية لآخرين؟

من السهل الإجابة بنعم لأن الدواء مادة كيميائية لها وظيفة خاصة وإذا ما أسيء استخدامها فقد تؤدي إلى عواقب صحية وخيمة، ومن المعروف أن بعض المقدمين على الانتحار يستخدمون الأدوية لهذا الغرض. أما فيما يخص الأدوية المهدئة والمنومة والمخدرة فيجب أن تكون تحت إشراف طبي دقيق، ويكون وصف بعض تلك الأدوية من اختصاص الأطباء النفسيين أو أطباء الأعصاب ولا يمكن الحصول على تلك الأدوية دون وصفة طبية. ولكننا نجد مخالفات للممارسات الطبية تشجع على الإدمان، ولا تخضع بشكل كامل ـ حتى الآن ـ لرقابة وزارة الصحة على الرغم من العقوبات التي تفرضها على المخالفين من الأطباء في حال اكتشافهم. فالخبر الذي أوردته الصحف مؤخراً عن القبض على طبيبين بتهمة وصف أدوية مخدرة مراقبة تسبب الإدمان، وتحرير شهادات إدمان مزورة لمراجعين مقابل التربح المادي، يجعلنا نتساءل إلى أي حد يكون المجتمع محمياً من تلك المخاطر؟

، وإذا كان الطبيب يشجع الإدمان فبمن نثق بعده؟ خداع الطبيب النفسي: يناقش الأطباء موضوع وصف الأدوية المهدئة وآلية وصفها للمرضى حيث قال الدكتور خليل الكرخي، اختصاصي الأمراض النفسية: الأدوية المهدئة مسيطر عليها لأنها خاضعة لقوانين وزارة الصحة، وقسم منها يوصف لمدمني المخدرات بعد إقلاعهم عن التعاطي، وهذا العلاج يجب ألا يتجاوز الستة أسابيع. وفي الحالات الأخرى يعتمد الطب النفسي في التشخيص على جلسات الاستماع إلى المريض، وخلال تلك الجلسات يتعرف الطبيب إلى الحالة وتحديد علاجها المناسب، وفي الحالات الحادة يمكن وصف المهدئات أو الأدوية المنومة لمدة قصيرة جداً، ولكن بعض الأشخاص يراجعون أكثر من طبيب نفسي للحصول على تلك الأدوية.

وأحياناً يمكن خداع الطبيب النفسي حين يدرس المراجع تفاصيل الحالة النفسية التي تحتاج إلى أدوية مهدئة ويمثلها بإتقان أمام الطبيب، خاصة أن الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب وصعوبة التكيف مع المحيط يمكن لأي إنسان قراءة أعراضها وتمثيل الدور على الطبيب النفسي، لذا ينبغي أن تكون هناك شبكة طبية تربط العيادات النفسية ببعضها، ليتمكن الأطباء من معرفة حالة المراجع، وحقيقة كونه حصل على أدوية مهدئة من أطباء آخرين، وهذا الأمر يضمن عدم تكرار وصفات الأدوية المهدئة للمرضى.وللدكتور ريموند حمدان، استشاري الأمراض النفسية، رأي آخر في موضوع خداع الطبيب النفسي حيث قال: الأشخاص الذين يحتالون على الأطباء النفسيين، للحصول على الأدوية المهدئة، يدرسون الأعراض المصاحبة للحالة النفسية ويحاولون تطبيقها جميعاً، الأمر الذي سيجعل المبالغة واضحة في سلوكهم، ويمكن الطبيب النفسي من كشفه.

إضافة إلى أن مدمني المخدرات والأدوية تظهر عليهم عوارض يمكن للطبيب ملاحظتها مثل التغيير في التفكير وصعوبة النطق، ولذلك عندما يتوجه إلى الطبيب ويطلب الدواء فانه سوف يتصرف بطريقة غير طبيعية تكشفه، ومع ذلك على الطبيب النفسي توخي الحذر الشديد عند تقديم أي دواء مهدئ لمريضه، ولكني أعتقد بأهمية وجود مشروع خاص بوزارة الصحة يجعل الأطباء مطلعين على التاريخ الطبي لمراجعيهم، ويجعل الأدوية المهدئة خاضعة للرقابة الكاملة، الأمر الذي سيوفر حماية كافية للمجتمع من إدمان تلك الأدوية.

المنع لا يحل المشكلة

ويرى الدكتور علي الحرجان، اختصاصي الطب النفسي، الموضوع من زاوية أخرى فهو يرفض فكرة منع الأدوية المهدئة عن المريض حيث قال: هذا الموضوع مطروح للنقاش في البلدان المتقدمة، والجانب المهم فيه أن الطبيب النفسي لا يفترض سوء النية عند المريض، إضافة إلى أن منع الأدوية لا يحل المشكلة.

فالشخص المدمن على الأدوية قد يلجأ إلى السوق السوداء أو إلى تعاطي المخدرات، في حال لم يحصل على الأدوية المهدئة، ويكون المنع في تلك الحالة مشجعاً لانتشار المخدرات أو لوجود سوق سوداء للأدوية، وقد يؤدي منع وصف الأدوية المهدئة إلى أعراض انسحابية عند المدمنين يمكن أن تنتهي بوفاة المدمن، أو قيامه بأعمال وسلوكيات إجرامية في المجتمع وخاصة مع أسرته.

والجوهر في الموضوع هو معالجة هؤلاء المرضى بالطرق العلمية الصحيحة، ويكون ذلك بأن تتبناهم جهات رسمية طبية، لأن معالجتهم مكلفة ويحتاجون إلى أدوية خاصة تعوض عن الأدوية التي أدمن عليها، وكذلك يحتاجون إلى مضادات الاكتئاب وأدوية تقلل الرغبة في تعاطي الدواء، وهذه النوع من العلاج يكلف ما يقارب الخمسة آلاف درهم شهرياً، وهو مبلغ لا يستطيع المدمن وحده تحمل تكاليفه، لذا نجدهم يلحون في طلب أدوية رخيصة لا تتجاوز 150 درهماً.

وبالتالي يبقى مدمناً مالم يتم علاجه، وهناك حقائق يجب أن تذكر بصراحة، منها أن الشاب يمكن أن يذهب إلى دول آسيوية يحصل فيها على الأدوية دون وصفة طبية، إضافة إلى تعاطيه للمخدرات، وهذا النوع من الرحلات يمكن أن يكون مسبباً للإدمان خاصة إذا بقي الشخص هناك مدة طويلة، وعندما يعود يستمر في تعاطي الأدوية أو المخدرات، وقد يلجأ إلى الطبيب النفسي الذي يقتضي عليه الواجب ألا يمنع عنه الأدوية المهدئة.

وأن يعتمد خطة علاجية تخلصه من الإدمان، ومن وجهة نظري العلمية يجب أن تكون هناك مؤسسات أو عيادات تعالج الإدمان وتتحمل تكاليفه، وخارج هذا الإطار لا يمكن حل المشكلة، خاصة أن هؤلاء الأشخاص يشكلون خطورة على أمن المجتمع، وعن طريق الإدمان يمكن أن يتحول الأشخاص إلى مروجين للمخدرات للحصول على المبالغ التي تغطي نفقات إدمانهم.

لكل دواء آثار جانبية

وللأدوية مخاطر تحدثت عنها الدكتورة جيهان حسين العلي، رئيسة قسم الرقابة الدوائية في المنطقة الطبية بعجمان قائلة: أي دواء مهما كان نوعه لابد أن تكون له آثار جانبية، لكن أهمية الدواء وقدرته العلاجية تجعلنا نضطر إلى التغاضي عن الآثار الجانبية الخفيفة.

لكن مشكلة العلاجات النفسية أنها تأخذ وقتاً طويلاً، ويجب حين يلجأ الطبيب النفسي إلى العلاج بالأدوية أن يكون عارفاً بالحالة النفسية الكاملة لمريضه، والأسباب التي أدت إلى حالته لكي يكون العلاج فعالاً وغير مسبب لآثار جانبية خطيرة.

إضافة إلى أن العلاج لا يقتصر على العلاقة بين الطبيب ومرضه، فهناك شبكة تضم الطبيب والمؤسسات الصحية، والمريض وأسرته ومجتمعه، وكل تلك الأمور تسهم في منع التورط في إدمان الأدوية المهدئة ومنع التلاعب بها، والطبيب شخص مؤتمن ويجب أن نثق به، ووجود حالات شاذة لا يجعلنا نفقد الثقة بالأطباء.

فهو حين يكون أمام حالة إدمانية سواء على المخدرات أو الأدوية المهدئة، لا ينبغي أن يمنع الدواء المهدئ عن مريضه لأنه قد يتسبب في موته حينها، ولكن عليه أن يضع له نظاماً علاجياً دقيقاً يساعده في التخلص من الإدمان، تكون فيه الأدوية المهدئة جزءاً من هذا النظام، وبشكل عام لابد أن يتكامل دور الأهل مع الطبيبة مع التوعية بمخاطر الإدمان لحماية الشباب من الأدوية المهدئة أو المخدرات.

ويناقش حمد تريم، مدير المنطقة الطبية بعجمان، موضوع العقوبات التي يجب أن تكون موجودة في حالة سوء استخدام وصف الأدوية للمرضى سعياً نحو الكسب المادي قائلاً: الأطباء الذين يستغلون عملهم لتقديم وصفات طبية مهدئة في غير مكانها، يجب أن تكون عقوباتهم رادعة فمن أمن العقوبة أساء الأدب.

لذا يجب ألا تقتصر عقوبات هؤلاء على الغرامة فقط وإنما تكون أكثر حزماً مع شخص يخون البلد ويخون القسم الطبي، وخان مهنته وجنى على مستقبل إنسان بتحويله إلى مدمن، وكون الإمارات بلد مفتوح وتكثر فيه العيادات أجد أن جهود وزارة الصحة واضحة في متابعة تلك العيادات وإيقاف المسيء عن العمل، وكذلك كان دور الوزارة في أعطاء المناطق الطبية صلاحيات الضبط القضائي لمتابعة العيادات والصيدليات وحماية المجتمع من سوء استخدام الدواء.

رقابة وزارية على الأدوية

وكانت وزارة الصحة قد أوقفت خلال الشهر الماضي طبيبين عن العمل بسبب وصفهما لأدوية مخدرة تسبب الإدمان من اجل التربح المادي، وقد أوضح الدكتور أمين بن حسين الأميري، المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الطبية والتراخيص والمتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة: أن مثل هؤلاء الأشخاص لا يمثلون مهنة الطب فهم ينظرون إلى العائد المادي ولا يلتزمون بأخلاقيات المهنة أو قوانين الدولة، وهم فئة قليلة جداً ووزارة الصحة أعدت نظاماً متكاملاً سيتم العمل به قريباً يشمل جميع إمارات الدولة.

ويربط كافة الصيدليات بالوزارة، لمنع التلاعب بالأدوية والحفاظ على سلامة المجتمع، حيث يتم رفع اسم الشخص الذي تصرف له الأدوية المراقبة لمنع صرف أدوية مماثلة له من أطباء آخرين، ونحن نعمل مع الجهات المعنية لتشديد الرقابة على صرف الأدوية، وخاصة النفسية منها، لأن سوء استخدامها يؤدي إلى الإدمان، ويشكل خطراً على الفرد والمجتمع.

دلال جويد