احتلت قضية المرأة في العصر الحديث حيزاً كبيراً من اهتمام وتفكير الباحثين والمهتمين باعتبارها الأساس في صرح المجتمع الإنساني، فرغم كل ما قيل عنها وما مورس عليها من مظالم واجهت فيها سلب الحقوق وازدراء مقصود من قبل الرجل بشكل خاص والبيئة المحيطة بشكل عام منذ قديم الزمان وعلى مر العصور وتعاقب الحضارات الأولى، تمتعت المرأة منذ بشرى سطوع شمس الحق ومبعث رسول الرحمة للعالمين أجمعين صلى الله عليه وسلم «أوصيكم بالنساء خيراً..، النساء شقائق الرجال»، بشخصيتها المتميزة، وخلقها الحسن، وكرامة النفس، ودور جليل، دون تهميش ولا تضليل كي تبرهن صحة القول على أنها نصف المجتمع وأساسه المتين.

ثمة نظرة تاريخية خاطفة على حال المرأة في ظل الحضارات المتعاقبة قبل فجر الإسلام تروي لنا بإسهاب عن صلف الجانب الذكوري وتجاهل بل وإجبار الجانب الأنثوي على الخنوع في دياجير الظلم المجتمعي، فمثلاً عند الإغريق كانت المرأة مستعبدة بلا قيمة ولا وزن، محبوسة رهينة لخدمة الرجل أيما كان، قاصرة بلا حقوق، حتى أنهم (الإغريق) رأوها كرجس من عمل الشيطان، وقيل إنها كانت تقدم قربانا استرضاء للآلهة عند نزول المصائب، وتحتلك عليها المظالم أكثر عند الرومان حيث كانت في حالة مذرية تُباع وتُشترى ولزوجها السيادة المطلقة عليها، كما كانت تتعرض لشتى أنواع التعذيب والمهانة.

وتأتي الحضارة الصينية لتشاطر الإغريق بنظرتهم الدونية للمرأة على أنها مخلوق بلا قيمة ولا وزن، وشر يمكن للرجل التخلص منه متى أراد، وتحبس كالدواب للخدمة إذا ما مات عنها زوجها، وتستمر خناجر الظلم طعناتها المتكررة في كيان المرأة لتقف عند اليهود حائرة متهمة بإثم إغواء آدم وإخراجه من الجنة، وللرجل الحق في بيعها وحرمانها من الميراث، أما الهندوس فقد تفننوا بظلمها أكثر ناظرين إليها كأنها مخلوق نجس، تحرق مع جثة زوجها المتوفى.

لقد اعتبر الفرس المرأة سبباً لانتشار الفساد وللرجل الحق المطلق في اجتثاث الشر (قتلها) وقتما يشاء، ولم يكن حظها أوفر في جاهلية العرب قبل الإسلام فقد قرأنا الكثير على أنها مجرد معشوقة أهميتها تتدرج بمقدار ما تحقق من إشباع رغبات جنسية طائشة لمجتمع مفتون بالبنين عرف عنه وأد البنات.

وتتوالى الأمم وتستمر براثن المظالم نهشها المعهود بالمرأة ففي عهد الكنيسة الأولى اعتبرت على أنها باب للشيطان حينما أطاعته بما يريد وأغرت آدم بطاعة عمياء، حيث اعتبرتها بعض مجامع الكنيسة في روما على أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود يجب الابتعاد عنه، ويجب أن لا تلقن مبادئ ديانتهم لها لعدم قبول عبادتها.

رغم كل المفارقات والاختلافات في تلك النظرة الدونية للمرأة عبر سالف الأزمان، بقيت المرأة مسلوبة الاعتبار، سليلة الانحدار، خاضعة لجبروت الرجل رأت منه السبي، والمتاجرة، والوأد، والحرمان من الميراث والحقوق..الخ

لكم هي بائسة كانت أمة النساء، فبينما هن خاضعات ذليلات أمام خيلاء الرجال ببروقهم ورعودهم، متباهين بأن المرأة تترامى أمام أقدامهم لثماً وتقبيلا، طاغين على كل شيء في حياتهن من إنسانية، واستقلالية، وميراث، معتبرين إياهن مجرد متاع حياة آخره سقط لا أكثر.. انبلج نور الإسلام وجاء رسوله الكريم ليصفد شيطان الرجل، ويسحب سيفه المسلول على رقبة المرأة، ويرفع قواعد كيان المرأة كأم، وأخت، وبنت، وزوجة على أسس وقواعد ثابتة تنال فيها كامل حقوقها وتصون شخصيتها لتكون موفورة الاحترام، موصولة الأرحام، فارضاَ على الرجل الإحسان والملاطفة وحُسن العشرة (رفقاً بالقوارير).

لم يكتف الإسلام برفع منزلة المرأة إلى جوار الرجل.. بل جعلها أحياناً بمراتب أعلى من مراتبه فأصبحت أحق بالصحبة والإكرام، جاعلاً إكرامها وبرها أقرب سبيل للوصول إلى جنة عرضها السموات والأرض.

لقد سعى الإسلام منذ بداياته لإعلاء كلمة الحق مدوية في وجه المظالم والشرور في سبيل تكوين مجتمع فاضل متراص، جامعاً بحنكة بين مطالب الجسد ومطالب الروح على أساس الانسجام محققاً بذلك مساواة النوعين (المرأة والرجل) في نطاق الحقوق الأساسية، مراعياً في كلا الطرفين الفروق الطبيعية لاستمرارية موكب الحياة واكتمال البناء، لترفل المرأة مع الرجل بأمن وهناءة عيش جنباً إلى جنب كأم وأخت وزوجة وبنت، رفيقة الدرب بيسره وعسره، بها يشدو الصباح، ويستنار المساء لتكون دوماً حسنة الدنيا ولا ريب.

لكن ما يلفت الانتباه الآن ويجدر بنا الوقوف له بالمرصاد، ترديد البعض لصدى المساواة في مفهومها الغربي وضرورة تحرير المرأة من عادات وتقاليد مجتمعنا العربي الإسلامي؟! مرتكبين أخطاءً جساماً من خلال استخدامهم أسلحة فتاكة في سبيل تلك المساواة.. مستبيحين كيانها، فاضحين عرضها، حتى غدا صوتهم الأجش ذاك أشبه بلعبة قذرة يلهو بها من يزدري بالمرأة وكيانها في ظل ديننا الحنيف.

محمد محمود أسعد ـ سوريا