زرعتني في جذور حنانها الرحيم، روتني من شريانها طفلة صغيرة، ضمتني بين أضلاعها وجعلتها منزلاً لعطش حياتي. جدلتني في خصال ضفيرتها الحريرية، ومنحتني حباً لا يوصف ودفئاً لا حدود له.

روت لي قصص الأبطال وروايات الشجعان، وقبل غفوتي كانت تأخذني إلى قديم الزمان على بساط علاء الدين، أحيتني بحكاية حرب البسوس ونتائجها المؤلمة ارتجلت من خيالها روايات البادية، وشدت بحنان صوتها قصائد عنترة لعبلة، ومغامرات لورنس العرب.

ترعرعت في حرير ضفيرتها، وفي كل خصلة زرعت لي زهرة، ومن كل زهرة أسقتني رحيق العلم والوفاء، وجدلتني بها، كنت أكبر بداخلها حين أخبرتني عيناها من أنا والزمن الذي تركني في ضفيرتها. ذلك هو وحش الفراق الذي بعثر شمل الجدران الأربعة، وأخذني بغضبه العاصف إليها، كان اسمه القدر الذي أودعني قلبها ونور عينيها.. جدتي.

كنت أرى نور القمر ينعكس في خصال شعرها الحريري الذي صنع لي أول حقيبة مدرسية وضعت بها شمعة العلم، حملتني بأغصانها إلى حصاني الأول «شعلان» أمسكتني لجامه وبرمشها المخملي أوصته بي، وأن يجري ويعلمني معنى رياح الحياة. علمني كيف أقفز فوق حواجز اليأس.

كانت امرأة قوية بل حديدية، لم تستطع الشمس النارية أن تصهر شموخها ولا استطاعت أمطار الحياة أن تبهت لونها.

جعلت من زهورها لوحة زينت بها وطناً عاشت به ودفنت في ثراه. لا استطيع وصفها فليس لها شبيه، بابتسامتها تروي الأرض العطشى، فكم شبكت أيد بالمعروف لتجمع بعرف «حبل المودع» التقليدي طيور الحب معاً.

عيناها بوصلتان تحويان مؤشراً لدروب المستقبل، شموخها فرس أصيلة، غضبها يزلزل بخطواتها تراب الأرض، لكنها كانت مملكة العطف والحنان للصغيرة التي جدلتها خصلة في ضفيرتها الحريرية.

Nahed_hmook@yahoo.com