اختتمت مساء أول من أمس فعاليات الدورة الثالثة لملتقى الفكر والثقافة الذي نظمته دائرة الثقافة والإعلام بعجمان تحت عنوان «البعد العالمي للتاريخ الثقافي في الخليج العربي» بحضور الشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي ـ رئيس الدائرة وجمع كبير من الأدباء والمفكرين والمهتمين بالشأن الثقافي من داخل وخارج الدولة.

وتواصلت فعاليات اليوم الثاني بمقر جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا حيث استهلت الجلسة بمحور حول «الملاح الإماراتي أحمد بن ماجد» ترأسها الدكتور علي بن فارس من مركز الدراسات والوثائق برأس الخيمة وشارك فيها الدكتور أحمد جلال التدمري ـ مستشار الدراسات والوثائق والدكتور طارق نافع الحمداني من جامعة بغداد والدكتور عمر عبد العزيز من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة.

وفي ورقته بعنوان «حياة أحمد بن ماجد ومكانته في الجغرافيا الملاحية» قدم الدكتور أحمد جلال التدمري دراسة عرفت بعلوم ابن ماجد وابتكاراته، كما ألقى الضوء على مكانته العلمية في مجال علوم الملاحة وعلوم القياس والفلك وأثر علومه في الغرب والشرق وأسبقية مبتكراته في تطوير معدات الملاحة والقياس الفلكي والبحري.

وشرح التدمري كيف أورث هذا العالم للبشرية وللحضارة الإنسانية من علمه الكثير سواء في مجال الملاحة أو الفلك والمناخ والأنواء، كما كتب عن علومه المستشرقون الجغرافيون من بلاد الشرق وبلاد الغرب، ودرست الكليات والمعاهد المتخصصة في أوروبا علومه وإنجازاته.

وبعنوان «آفاق التعاون العلمي بين الاستشراق الغربي والمعرفة العربية: احمد بن ماجد أنموذجا» اقترح الدكتور طارق نافع الحمداني في ورقته أن تبدأ المؤسسات البحثية العربية الأكاديمية ومراكز البحوث بإيجاد سبل للتعاون العلمي بين المستشرقين الأوروبيين المهتمين بمؤلفات أحمد بن ماجد ونظرائهم من العرب والمسلمين لإعادة النظر في طبع هذه المؤلفات أو البحث عن المخطوطات الأصلية لأحمد بن ماجد والعمل على نشرها لما فيه خدمة للثقافة العربية. ورأى الحمداني أنه من الممكن إقامة جسور للتعاون العلمي بين المستشرقين الأوروبيين والعرب والمسلمين لإعادة نشر تراثنا وفق الأساليب العلمية الحديثة. واستعرض الدكتور عمر عبد العزيز في ورقته أثر بن ماجد في الكتابات الإماراتية وكيف أن هذا الأثر امتد إلى طبيعة المكان وجغرافيته وتاريخه.

وحصر في مداخلته الآثار المباشرة مثل كتاب الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المتضمن ردا على من يدعو بأن ابن ماجد قاد فاسكو دي جاما وعرفه بأسرار المحيط الهندي، والآثار غير المباشرة مثل كتابات الأدباء والباحثين في علوم البحار ممن أشاروا في أفق ما إلى ذات الرؤى والمباحث التي شكلت هاجسا دائما في حياة العالم البحار والشاعر ابن ماجد.

وتناولت المناقشات في أعقاب الجلسة موضوعات مختلفة منها علاقة ابن ماجد بالبرتغاليين ومخطوطاته التي عرضت بالخارج والأراجيز التي استبعدت من إنتاجه بعد التحقق من أنها ليست له وسبل الاستدلال على ذلك والبراهين التي دحضت فكرة إرشاد ابن ماجد لفاسكو دي جاما إلى الشاطئ الهندي. واستكملت فعاليات اليوم الثاني بجلسة أدارتها الدكتورة فاطمة المزروعي عضو المجلس الوطني الاتحادي وشارك فيها الدكتور عبد الخالق عبد الله والدكتور حسن مدن والدكتور يوسف الحسن. وسعى الدكتور عبد الخالق عبد الله في مداخلته إلى طرح تساؤلات حول مستجدات الفكر والثقافة في الخليج «الذي يعيش تحولات حياتية وقيمية وسلوكية تأسيسية ومستمرة على مدى العقود الثلاثة الماضية».

وتساءل «بما أن المشهد الثقافي الخليجي صار يعج في الآونة الأخيرة بنشاطات فكرية ومبادرات أدبية وبرامج فنية على مدار السنة... فهل هذه لحظة الخليج العربي في التاريخ العربي المعاصر؟».

كما طرح عدة أسئلة مثل «هل يمكن لهذه المنطقة أن تستعيد بريقها التنويري وتعيش لحظة فكرية وإبداعية جديدة وتؤسس لمرحلة مختلفة في التاريخ العربي وتساهم في ولادة المشروع النهضوي في المنطقة العربية؟ ثم ما هي سمات هذه اللحظة؟ وما هي انعكاساتها الثقافية والفكرية القريبة والبعيدة؟ وهل ستساهم هذه المستجدات في تحويل الخليج العربي إلى مركز الثقل الثقافي العربي الجديد بعد أن تحول إلى مركز الثقل الاقتصادي بدون منافس في المنطقة العربية؟».

من جانب آخر تساءل الدكتور حسن مدن في ورقته (إشكالية الإعلام والثقافة) عن المدى الذي يخدم به الإعلام الخليجي الثقافة الخليجية. وتابع هل يمكن التعاطي مع الإعلام بصفته مجرد ناقل أو وسيط لإيصال الثقافة للجمهور، أم أن الإعلام هو بحد ذاته ثقافة في عصر بات يوصف بأنه عصر الإعلام؟ لافتا إلى أنه في هذا السياق تبرز أمام وسائل الإعلام المختلفة تحديات كبيرة في صون الذاكرة الثقافية لشعوبنا من جهة وتقديم المنتج الثقافي والإبداعي في بلدان المنطقة من جهة أخرى. وبحث الدكتور يوسف الحسن بورقته في تداعيات العولمة وتأثيراتها على الثقافة العربية في الخليج وحاول الإجابة عن أسئلة الثابت والمتغير في هذه الثقافة في ظل الضغوط المتسارعة والهائلة لثورة المعلومات والاتصال والفضائيات.

وحلل الحسن عددا من الظواهر التي طالت النسيج الثقافي وأفرزت قيما ومنظومات جديدة من بينها ثقافة الترفيه التي رأى أنها حلت السلعة الثقافية محل المنتج الثقافي بينما حل المستهلك محل «المواطن».

كما تناول مخاطر تفكيك «الثوابت» وضعف الاستثمار في إنتاج المعرفة وطنيا وغياب التقاليد العلمية والنقدية المؤدية لاكتساب المعرفة وإنتاجها مؤكدا ضرورة نمو المعرفة في سياق ثقافي ومجتمعي وتاريخي.

وبعد الجلسة دارت مداخلات المشاركين حول ضرورة مساندة «الفكر الذي يساهم في كسر التقليد» وأصداء هذه الأطروحة في الوطن العربي، كما تناولت الحراك الثقافي في منطقة الخليج و«صناعة الثقافة» والتراكيب والأنساق الثقافية في المنطقة والفرق بين المعرفة والمهارة والهوية الثقافية الخليجية ومفهوم المواطنة.

وفي ختام الملتقى قام الشيخ عبد العزيز بن حميد النعيمي ـ رئيس دائرة الثقافة والإعلام بعجمان بتكريم ضيوف الملتقى.

عجمان ـ عصام الدين عوض