«حب الوطن لا يختزل في ملصق يوضع على السيارة، إنما بالاجتهاد والعمل والسلوك الجيد الذي ينعكس ايجابيا على النفس والآخر»، هكذا فضل محمد قاسم العلي، الرئيس التنفيذي لشركة الصكوك الوطنية الرد على سؤالي الأخير عن طبيعة الرسالة التي يوجهها إلى الجيل الحالي، بعد 19 عاما من الخبرة العملية أوصلته إلى منصبه الحالي. ولا أنكر إن للحديث مع العلي طعما خاصا، خاصة عندما يتعلق بخبرته وتجربته في الحياة التي علمته كيفية المحافظة على القيم، وكيفية إدارة فرق العمل لقطع خطوط النجاح.

عاش العلي طفولته الهادئة في بر دبي، وقضى لحظاتها بين أحضان فريجه ما أعطاه فرصة الاقتراب من الأهل والجيران والتعرف عليهم جيدا. درس العلي الذي استقى من والديه سمة الصبر واحترام الآخرين بغض النظر عن مستوياتهم، حرفه الأول في مدرسة الشعب وأنهى الثانوية في الإمام مالك لينتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة علوم الحاسوب ولكن هناك اختلف كل شيء فما لبث أن تحول عنه بسبب علاقته الوطيدة مع الرياضيات، مفضلا عليه إدارة الطيران، وقد شجعه عليه إنشاء شركة طيران الإمارات، بالإضافة إلى جمعه بين إدارة الأعمال والمطارات، وسرعان ما عاد العلي بعد تخرجه الى حضن دبي ليبدأ رحلته العملية التي بدأها من مستشفى المكتوم.

أصول العمل

يقول العلي: بدأت حياتي العملية بقسم الاستقبال في مستشفى المكتوم، وكانت تلك تجربة جيدة علمتني كيف تكون خدمة الزبائن، والإحساس بآلام المرضى ولذلك كان علينا مراعاتهم بسرعة انجاز معاملاتهم وتجهيز ملفاتهم وحجز مواعيدهم، ومنها استقيت أصول العمل بروح الفريق لإنجاح العمل، لم أمكث طويلا في المكتوم فبعد سبعة شهور انتقلت إلى طيران الإمارات التي دخلتها كمتدرب تجاري، وهو برنامج تدريبي يمتد الى 18 شهر، يتنقل فيها المتدرب بين جميع الأقسام لاكتساب مهارات وطرق العمل المختلفة.

لقد كان البرنامج مكثفا والهدف منه تهيئتنا للواقع العملي وإكسابنا الخبرة، واستفادتي منه نبعت من خلال تدريبي في المقر الرئيسي الذي يكون فيه عادة أفضل الممارسات، ولذلك عند الانتقال لأية محطة تكون إمكانية التعديل اكبر. بعد تخرجي من البرنامج وثلاثة من زملائي، انتقلت إلى بنغلادش وكانت تلك أول محطة أتسلمها.

وقبل انتقالي إلى الفلبين تمكنت وفريق العمل من تحقيق انجازات كبيرة في هذه المحطة على مستوى شبة القارة الهندية، وعملي في بنغلادش والفلبين علمني الكثير فرؤيتي لمشهد الفقر هناك أشعرني بمدى أهمية إنتاج الإنسان وبضرورة العمل باجتهاد لفتح المجال أمام الآخرين للعمل.

عدم الاستقرار

ويواصل العلي: بعد الفلبين توجهت إلى باكستان التي كانت أول محطة لطيران الإمارات بعد إطلاقها عام 1985 خارج حدود الدولة، وكانت لديهم حينها نحو 20 رحلة بين كراتشي ولاهور، وفي تلك الأيام كانت باكستان تعاني من عدم الاستقرار وهو ما اضطرني للبقاء بعيدا عن عائلتي، والتخلص من حارسي الشخصي تجنبا للفت الأنظار بالإضافة إلى قيادة سيارة قديمة وذلك بسبب الظروف السائدة، واستمر هذا الوضع لمدة عام، وبسبب وضعي العائلي فقد كنت أعود للدولة كل ثلاثة أسابيع تقريبا، وكنت استغل وجودي هنا لتخليص بعض المعاملات ما أدى إلى وجود تعارف شخصي مع كوادر العمل في الشركة.

وبعد مرور عام على وجودي في باكستان تلقيت مكالمة من رئيسي طلب فيها أن أتوجه إلى محطة لندن التي كانت بمثابة الجوهرة في التاج، خاصة وأن لها سمعة جيدة من حيث مركز مالي وسياحي وطبي، بالإضافة إلى كونها محطة رئيسية لمعظم المواطنين خاصة في الصيف، وهذا زاد من عبء المسؤولية الملقاة علينا، ومن خلال لندن تعرفت على طبيعة الثقافة الأوروبية التي تختلف كلياً عن شبه القارة الهندية وآسيا.

وأهم شيء تعلمته منهم هو اكتساب الأشياء الجيدة التي تضيف الجودة على أسلوب العمل وعكسها على الفريق، وبعد لندن عدت إلى دبي لأبدأ عملي في المطار من خلال شركة دناتا، بمنصب مدير عام خدمات المسافرين وكان على رأس أولوياتي معرفة وفهم طبيعة الكوادر الموجودة لدي ومدى جودها وتصنيفها الوظيفي حتى نستطيع تقديم خدمة أفضل للمسافر، خاصة وان عملنا كان يشمل التنسيق مع هيئات أخرى تعمل في المطار.

وبعد عامين انتقلت إلى خدمات العفش، وهي مهمة مختلفة تماما عن مهامي السابقة، وكان هدفنا الرئيسي تحسين الأداء والتقليل من الحقائب المتخلفة بقدر المستطاع، وهذا تطلب وضع استراتيجية عمل محكمة وسريعة لتحقيق ذلك، وهذا وضعنا جميعا تحت ضغط نفسي كبير جدا، وتطلب التفكير بحلول عملية تؤدي لتحسين الأداء.

فرصة عمل جديدة

بعد ذلك انتقل العلي للعمل في شركة الصكوك الوطنية بمنصب الرئيس التنفيذي، وهو ما مثل نقلة نوعية كبيرة بالنسبة له، وحول ذلك يقول: بلا شك أن القرار كان صعبا خاصة انه جاء بعد 17 عاما من العمل في مجال واحد، ولكني اعتمدت على قاعدة «تحقيق النجاح يعتمد على امتلاك المنطق»، ولذلك كان علي التركيز على الاستراتيجية وتطبيقها وإدارة فريق العمل، وهذا مكننا من النهوض بالشركة بفضل تكاتف فريق العمل.

ولعل أصعب الأمور التي واجهتني خلال الأشهر الأولى من عملي في الصكوك الوطنية هي عملية إثبات وجودي على رأس فريق عملي، ومن ثم زرع الثقة بالفريق وإقناعه بقدرتي على النجاح ومنذ استلامي لهذا المنصب حرصت على الاتجاه في التطوير من الداخل إلى الخارج، من خلال التركيز على تطوير خبرات فريق العمل وإضافة بعض الأقسام والتركيز على نظام الحوكمة وتحديد المسؤوليات، وهو ما انعكس ايجابيا على المبيعات التي زادت بنسبة 139% خلال العام الماضي مقارنة مع 2007.

غسان خروب