يحكى أن اعرابياً مر من جانب «معشرة» فبات يومه، وفي الصباح وقد اشتد جوعه استيقظ لا يلوي على شيء فوجد حصانه العربي الأصيل وقد بدأ يلفظ أنفاسه، فقام بنحره، ومن ثم أكل ونام، وفي الصباح مر به قوم فأكلوا من زاده وسألوه بما حل بخيله فقال وجدته هكذا بعد أن اشتد علي جوعي، فضحك القوم وقالوا له هل تعرف لمن هذا اللحد؟

فقال لا، فقالوا له انه لحاتم الطائي، فقال حتى وأنت ميت كريم. فحال حاتم تنطبق على خليجنا العربي، لذلك أصبحت المجالس عند العرب منذ القدم رمزاً للكرم، ولم تعرف الفرق بين الملوك والفقراء، والكبار والصغار، وتوزعت على المناطق والعشائر والقبائل، فهي مرتع لتبادل الأحاديث والسمر. ففي دبي مجالس لا تحصى، موزعة في جميع مناطقها، وتميز مجلس من بينها ممتد من بدايات القرن الماضي وتعاقبت الأجيال عليه، وهجره سكان المنطقة التي يتواجد بها، وظل هو صامداً بأناسه الذين أحيوه وعرف عنهم كرم الضيافة وترحيب الناس، ويقع في أقدم المناطق في إمارة دبي، وهي منطقة البستكية، التي تمتد بمحاذاة الخور لمسافة نحو ثلاثمئة متر في بر دبي، وعمقها باتجاه الجنوب نحو مئتي متر. ويقع المجلس في أطراف الحي الذي يضم أكثر من ستين وحدة سكنية، معظمها وحدات تتكون من دورين.

ويفصل بين الوحدات وبعضها عن طريق الأزقة المنفرجة الضيقة، وتتميز مبانيها بالبراجيل الشاهقة، والزخارف الجصية، وأعمال النجارة التي تجذب أنظار زوار المدينة، كما تترك انطباعات عميقة لدى كل من شاهدها ويعود تاريخ المنطقة إلى عام 1890.

ومن خلال وقفه للبيان في هذا المجلس، الذي ضم عدداً من الموطنين والأجانب الزوار والمارة لمشاهدة معالم المنطقة بمختلف أعمارهم وأعراقهم، والسمر مع مستقبلي الزوار بصدر رحب، والذي يؤكد لهم حياة أهل المنطقة وكرم الضيافة العربية، أتضح أن المجلس يعود لبدايات المنطقة، وكان به نادي صغير يعود لما يقرب من 35 سنة، كان يضم سكان المناطق المجاورة، وبه ملعب كرة القدم يتجمع به الشباب كل يوم، ولكن بعد انتقال سكان المنطقة منها خلال الحقبة النفطية، وقيام البلدية بترميم المنطقة وتخصيص مجلس، اجتمع 12 شخصاً واستأجروه من ميزانيتهم الخاصة وتواجدوا في المجلس المبني من عريش.

وتجمع في المجلس أهله وكأنهم لا يزالون يعيشون في الفترة الزمنية لبناء المنطقة، حيث عكسوا الصورة الحياتية السابقة لسكان المنطقة، وكيف كانت الجلسات في الماضي، وأشار جلاس المجلس أن خلال زيارة لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مع الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية بوش، والاطلاع على المنطقة قام مندوب الحكومة بطرح بعض الأسئلة عن دورهم، وكان لسموه لفتة حيث تبنى جميع التكاليف من أجر وطعام وجميع المستلزمات.

وتعتبر المنطقة مرتعاً لزوار دبي، لمعرفة المباني التاريخية للمنطقة، حيث زارها عدد من كبار الشخصيات مثل ملك السويد وزوجته وتوني بلير وفاروق الباز والعديد من السياح مما خلق التواصل بينهم.

وطالب أصحاب المجلس أحياء المنطقة بالفعاليات وزيادة النشاطات وعدم مرور السياح بها مرور الكرام للوصول إلى المتحف، فيمكن من خلال المنطقة أحياء العديد من البرامج، كما هو الحال في الشندغة، وعلى سبيل المثال يمكن وضع محلات بين السكيك لبيع المنتجات المحلية، عن طريق السماح للمواطنين بعرض منتجاتهم دون رسوم عالية مما سيحيي المنطقة ويرجعها إلى سابق عهدها.

وعند الدخول إلى المجلس ترى الجلسة العربية القديمة على الأرض، وصورة قديمة لإمارة دبي تزين جدرانها، ويمكن من خلال التمعن فيها معرفة ماضي المنطقة، والأماكن التي كان يعيش بها الناس قبل الحقبة النفطية.

اهتمام رسمي

واهتمت حكومة دبي بالمنطقة، كونها من أهم معالمها القديمة، فبعد أن تركها سكانها تدهورت حالتها، خاصة وأن المنطقة تمثل مرحلة مهمة في تاريخ العمارة، والتطور المدني، والحضري للمدينة. وقد شكلت ركيزة أساسية من المعارف المعمارية، وأبقتها على شكلها القديم، حيث يحدها المقبرة من جهة الشرق والسوق والمتحف والديوان من الغرب والخور من الشمال والمباني التجارية من الجنوب.

وتحتوي المنطقة بعد الترميم 57 مبناً، وهناك ثلاثة فنادق يوجد في كل منها من 8 إلى 10 غرف، بالإضافة إلى المطاعم العشرة والمئة محل للتسوق والمعارض.

بقايا السور التاريخي

وتضم البستكية بقايا السور التاريخي، الذي شيد في أواخر القرن السابع عشر ليحيط بالمدينة القديمة في بر دبي، وتشمل حصن الفهيدي، والمسجد الجامع وعدداً من المساكن، وذلك لحماية المدينة من الهجمات الخارجية، وكانت توجد على السور ثلاثة أبراج للمراقبة والاستكشاف والدفاع عن المدينة، وبُني من الحجارة البحرية والجص، ونظراً للتوسع في نطاق المدينة فقد أزيل السور أوائل القرن العشرين، ولم يبق منه سوى أجزاء من القواعد التي نراها في البستكية، وأعيد ترميمها .

حيث ان الهدف لم يكن استعادة الشكل التاريخي، بل إعادة الحياة بكل ألوانها إلى هذه المنطقة، وجعلها مكاناً مكتمل المرافق والخدمات، يصلح للسكن والعمل والتسوق والسياحة.

ففيها 10 مطاعم تراثية وفنادق ومحال تجارية، كما تضم مكاتب حكومية وشبه حكومية، ومقار جمعيات النفع العام، وهناك دار الندوة التي تشهد انعقاد المؤتمرات والندوات والمحاضرات والمؤتمرات الصحافية على مدار العام، ومركز الشيخ محمد للتواصل الحضاري، وجمعية الصحافيين، إضافة إلى جمعية الحفاظ على التراث العمراني، ومكاتب الصندوق الدولي لحماية البيئة، وجمعية هواة الطوابع.

منطقة تنشيط للسياحة

وعملت الحكومة على إعادة تأهيل كامل المنطقة والحفاظ على خصوصيتها العمرانية والمعمارية، هدفت إلى أن تكون البستكية منطقة تنشيط للسياحة، حيث تضم المتاحف والمراكز والمعارض والأسواق التقليدية، ومن تلك الأبنية التي تلعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية، دار الندوة، المبنى الذي شُيد في العام 1925 ويتألف من طابقين، ويعتبر من المباني ذات القيمة التاريخية الغنية بعناصرها.

كما تم تخصيص كل يوم سبت، لإقامة سوق جديدة من الساعة العاشرة صباحاً، وذلك لتعزيز الحياة الثقافية في الدولة عن طريق تطوير المواهب المحلية، وتستقطب مشاركة ملحوظة لنخبة من أهم الباعة المحليين. وستعمل السوق الأسبوعية على ترويج العلامات التجارية والمنتجات التي من شأنها تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع والتراث الغني والعريق في دبي.

فالممرات الضيقة بين البيوت العتيقة تعطي أحساساً قوياً بعبق الماضي، بعيداً عن مراكز التسوق الحديثة الموجودة في أغلب الدول وبضاعتها عالمية، لذا يتميز السوق، الذي طلب جلاس المجلي أن يكون طوال الأسبوع وزيادة برامجه وفاعليته، بأنه مهد التراث والثقافة العريقة في دبي، وجهة عالمية المستوى تضم مركزاً متخصصاً للثقافة والفنون، يستضيف الفعاليات والمهرجانات والنشاطات المتنوعة، في حين تقدم السوق مجموعة متنوعة من الأزياء والاكسسوارات المصنعة محلياً، والتحف، والمنتجات الفنية والحرفية. ويتيح السوق الأسبوعي للسياح الاستمتاع بتذوق أشهى الأطباق، التي توفرها نخبة من أرقى المطاعم في مقهى البستكية.

وسيكون بمقدور الزوار استكشاف جانب آخر من تراث المنطقة الغني، من خلال نقوش الحناء التقليدية، بينما يقدم ركن الفنون والحرف اليدوية الإبداعات المتميزة لمجموعة من المتخصصين في هذه الفنون.

وتضم منطقة البستكية، مركز النور لتدريب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومركز دبيّ للتوحّد، والصندوق العالمي للحياة البرية، والصندوق الدولي للرفق بالحيوان، والأماكن المخصصة لفئة المراكز الإنسانية في سوق السبت. ويتوقع أن يكون السوق الأسبوعي مختلفاً عن مراكز التسوق وخاصة أنه يعرض منتجات محلية مختلفة ويضمن بيئة عائلية متكاملة.

مصطفى الزرعوني