أسجلّ هنا حبّي وأوقّع اعترافي لـ «دبي».. بأنّها أقوى

محبّتي واعترافي بقوّتها لم يأتيا نتيجة تجربة سياحيّة لثلاثة أيّام عابرة أو ثلاثة أسابيع!

تجربتي الشخصيّة والعمليّة التي امتّدت لسنوات.. شاهد حقيقي وواقعي بأنّ ـ دبيّ ـ أقوى من أن تنكسر أمام عاصفة اقتصاديّة لمّت العالم أجمع.

طبيعيّ أن تتأثر دبي مثلما تأثر العالم كلّه.. وهي بتجربتها الفريدة قد جمعت العالم كلّه، وبكل تنوعاته العرقية والثقافية والدّينية والمذهبية وبتباعد أراضيه ـ وعلى اختلاف أنظمتها التجارية والحياتية كما لم يجمعه اقتصاد أو ثقافة أو أمم متّحدة!

نعم! كم عدد دول الأمم المتّحدة كمؤسسة عالمية تجمع شعوب الأرض؟

إنه لا يتعدى 192 دولة وأمّة! وهي لا تجتمع كزجاج معشّق ومكتمل ومتناغم.. بينما يتمشى على أرصفة دبي الجميلة، تجارة وسياحة وتسوّقا مالا يقلّ عن 192 جنسيّة.. بتناغم وسلام لا تجده في أيّ مكان آخر على سطح المعمورة.

سّيدي: في دبي تجتمع الأمم المتحدة كل يوم!

يجتمع سفراء هذه الدّول والجنسيات والثقافات على طاولات الأعمال التي تعقد فيها صفقات للشرق والغرب والشمال والجنوب. ويجتمع النّاس على طاولات الطعام والاحتفال بالحياة ومباهجها ـ كل ليلة ـ كما لا يجتمعون أطيافا في باريس أو نيويورك أو لندن.. هونج كونج.. طوكيو أو شنغهاي! مع أنّ دبيّ مساحة لا تدّعي أنها بحجم مركز المدينة لكلّ هذه المدن الفارهة والعالمية فرادى!

الوضع الاقتصادي والائتماني المريع الذي يمرّ به العالم ليس من صنع دبي. كما أنّه لا يكوي بجمرته دبي وحدها! الكل في هذا الكوكب لمس لوعته.

دبيّ ليست فقّاعة عقارية، فالذي صنع العقار الذي رأيناه في دبي ورآه العالم كلّه في السنوات الماضية قبل هذا الانحدار الاقتصادي العالمي ـ هو شخصية دبي وموقعها الجغرافي الذي وظفته أجهزتها وأنظمتها أجمل توظيف وأقله عناء للمستفيد منه.

العقار في كلّ بقاع الدّنيا تراجعت قيمته لأكثر من 50%.. العربات والطائرات ولعب الأطفال البسيطة والآتية من الصين، وتأثرت المعيشة وتكاليف الحياة كلّها ـ وفي العالم أجمع، وهبطت إلى النصف! لماذا توضع دبيّ تحت المجهر وكأنّها من أخطأ وبالغ واستعجل ثمّ هوى؟!

أقول لكم السبب؟ لأنّها مركز الإضاءة في هذا العالم. وحين يتحدثون عن دبي ـ هم في الحقيقة يتحدثون عن العالم أجمع.

الرّئيس الأميركي الرّاحل «رونالد ريجن» ورئيسة وزراء بريطانيا السّابقة، الحديدية «مارجرت تاتتشر» ومنذ منتصف الثمانينات هم من قاد العالم لما يسمى بـ (الاقتصاد الحر.. والسّوق تصحح نفسها.. وعدم تدخل الدّولة بآليات البنوك..).. «آلن جرين سبان»: رئيس أكبر بنك مركزيّ لأقوى اقتصاد عالمي أشرف ولعقود، على هذه الفلسفة التي تبعتها مرغمة أقوى اقتصادات العالم وأضعفها.. كان من لا يتبع سياساتهم الاقتصادية يعاقب بطرق شتّى ليس أوّلها التعجيز في الدّخول كعضوّ في منظمة التجارة العالمية!

حين أقرأ في الانترنت مقالات لكتّاب صحفيين بريطانيين وأميركيين كثر وهم يكتبون عن دبيّ، ظلما وجهلا، أشياء لا تقبلها العقلية الاقتصادية البدائية، وترفضها الرّوح المسؤولة عن نفسها.. أكاد أجنّ!

» آلن جرين سبان» نفسه اعترف بأخطائه التي قادت العالم الاقتصادي إلى ما آل إليه.. ما دخل دبيّ لتجلد على صحفهم الجاهلة والمتجبرة أمام مجتمعها الذي هو نفسه يجهل دبيّ، وحين يزورها المحظوظون منهم، يختارونها بشغف، بلدا لسكناهم وعملهم وفرصة لجنّة حلموا بها ولم يروها واقعا الاّ هنا ؟!

ولأنّهم يريدون هذا الحلم أكثر وأكثر، فهم، ومع هذا الوضع الاقتصادي العالمي الصعب الذي بذر بذوره ساستهم: يطالبون ـ في نفس كتاباتهم المتجنّية ـ بتسهيلات أكثر.. كي يعيشوا أطول ويعملوا أكثر، ويحتفلون بالحياة بهجة كما لم توفرها لهم أوطانهم الأم!

ما أجمل هذه الدّانة دبي: في الرّخاء هي الأمثل، وفي العاصفة هي المثال!

لا أحد يستطيع أن يتركها وحدها. فهي مغرية لحد الجنون الشاغل: رخاء وعاصفة!

عرفنا في الأمثال أنّه وحده الخروف.. الذي لا يشتكي من ضيق.. لأنّه كيفما اتّكأ، إنما اتّكأ على صوف.. هكذا يأتي المثل: «مثل الخروف.. يتكئ على صوف».

ودبيّ ناصعة منبسطة مثل كفّ مفتوح.. لكل من جاء لمطارها.. أو عبر بوّابات طرق الدخول إليها.. حيث أنّ تأشيرة دخوله إليها تنتظره هناك.

33 جنسيّة عالمية تأخذ تأشيرة دخولها للبلاد عند وصولها لنوافذ الجوازات والهجرة في مطار دبي! والعدد يزداد.

أكثر من مائة وستّين جنسيّة دولية تأخذ تأشيرات دخولها للبلاد في ساعات قلائل لأيّ عاصمة عالمية، يكون المشوار بالعربة إلى موقع السفارة أو القنصلية الإماراتية فيها، أطول وقتا من انتظار تأشيرة الدّخول للبلاد!

أليس هذا هو التفسير العمليّ للمجتمع الإنساني؟

القانون هنا يشمل الجميع: مسؤوليات وحقوق. ولا يوجد من على رأسه ريشة تحميه من يد القانون العادلة، كما أن صغير القوم يجلس على الطاولة نفسها التي تشغّل الدنيا.. دون انتقاص له.

الدّنيا ؟ عمارة وتجارة وتبادل مصالح ـ إن هي إلا لعبة.. ويتحمل اللّعبة من رضي بها وقبل قوانينها.

ان كان هناك من أخفق.. فالفشل مسؤوليته.. وليس مسؤولية دبي التي طبّقت العالم المفتوح في عالم منغلق وعشقها، لأنّها بجرأة تاريخية لعبت الدّور الذي ـ في وقته ـ كان اللعبة الأجمل والأروع.. ولذلك كلّهم جاؤوا راغبين وممتنين!

قد تنثني دبيّ للرّيح التي تعصف بأقوى اقتصادات العالم.. وهي جزء منه أوّلا، وثانيا: هي اختارت أن تكون بنفسها حلقة محورية للعالم أجمع: باقتصاداته ورحلاته والتقاءاته.. بسياحته.. بقلوب أهلها الطيّبة والمرحبة بأكثر من 192 جنسيّة: عملا وسياحة ومعرفة ثقافية.. تبادلات تجارية تلم بخطوطها عالما تسيّجه قوانين الحماية للأقليّة، والأكثريّة: بينهم وجيرانهم وبينهم وأنفسهم من أجل لقمة عيش صغيرة.. ويتركون ـ ذات الوقت ـ رحابة العيش الأكبر والأعظم في رحاب أرض اللّه!

دبيّ درّة الدّنيا.. مونتكارلو العرب.. ودانة الخليج.

قد تنحني للرّيح التي هبّت من أقاصي الدّنيا، لكنّها لن تنكسر ـ بإذن اللّه ـ لأنّها كانت هنا.. تداعب أقدامها أمواج الخليج.. قبل أن يعرف

للدنيا تاريخ.

قد تنتهي الدّنيا ودبي معها.. ولكن.. لا تستطيع الدّنيا أن تبدأ رحلتها في دورتها الاقتصادية الجديدة.. دون أن تكون دبيّ في طليعتها.

كل البلاد بلاد.. ولكن ليست كلّ الأنظمة والتسهيلات مثل بعضها. كما أنّ كل المدن التي تشبه بعضها ؟على روعتها ـ وصائف لدبيّ الدّانة والدرّة لوحدها.

دبيّ أقوى.. لأنّها نموذج عصري على مستوى عالمي لتجربة انفتاح فريدة من نوعها.. بنيت على أسس قانونية وطبيعية وإنسانية كدولة.. وسوف أراهن عليها مابقي لي من عمر. وسأغني قلبي مع «ميحد حمد» لـ (سما دبي) على أرصفتها الغالية.

وأستميح الجميل بدر بن عبد المحسن وأردّد عشقه بالفاتنة:

(لامن غديتي شمس.. وشلون اعذلك

لابد مايظهر مع طلتك نور

ماالومهم لو لدت عيونهم لك

من ناظرك ياربة الحسن معذور

تلطفي وان كحل التيه نجلك

وتواضعي لوبك غدى الحسن مغرور

أغار لو بالزين قد ذكر مثلك

وأغار لو غيري سبقني لك شعور).

هذه هي دبيّ.. دار الحيّ.

إبراهيم الصمعاني