كثير منا يتذكر حصالته الصغيرة التي جمع فيها جزءاً من مصروفه اليومي ليجدها بعد مدة قد امتلأت بالقطع النقدية التي تجعل منه ثريا بمقاييس الطفولة، فأين اختفت الحصالة وما هي علاقتنا بالادخار؟
وكيف يمكن أن نعوّد أطفالنا على التوفير من المصروف اليومي لشراء حاجاتهم وألعابهم المفضلة؟، وكيف يمكن أن نؤسس اقتصاداً أسرياً مبنياً على حسن الموازنة بين الإنفاق والادخار؟ لا تعتمد كثير من الأسر على موازنة المصروفات الشهرية مع دخلها فسارة هاشم تقول: «ليس سهلاً التوفير أو موازنة المصاريف في ظل الغلاء والحاجات اليومية لذا عندما أذهب للتسوق لا أضع في حسابي ميزانية محددة يساعدني في ذلك دخلنا المادي الجيد، وفي الغالب أصل إلى نهاية الشهر مع مبلغ قليل جدا، ولم أفكر باستخدام الحصالة للتوفير لأني اعتقد أنها لن تجدي شيئا مع كثرة مصاريفنا وأنها ستبقى خالية ما دامت طلبات الأولاد لا تنتهي».
أما سمية سالم فهي ترى أن حصالات التوفير مرتبطة بالأطفال فتقول: «لم أفكر يوماً باقتناء حصالة لي ولكني حين حملت بطفلي الأول اشتريت حصالة وبدأت أوفر فيها إلى أن ولدت حيث قررت أن أشتري لطفلي بعض احتياجاته ففاجأني المبلغ الكبير الذي وجدته في الحصالة حتى أني تمكنت من تجهيز غرفته بأشياء كثيرة جميلة من دون أن أشعر بالضغط المادي، لذا أعتقد أن توفير حصالة للأطفال فكرة مناسبة يمكن عن طريقها شراء وتغطية نفقات الأعياد أو العطلات، أما بالنسبة للكبار فأعتقد أن الأفضل هو فتح حساب توفير في البنك ووضع مبلغ محدد شهريا فيه». الرجال يرون أن توفير حصالة في البيت مهمة نسائية حيث يقول سلطان حميد: «في الحقيقة لا أهتم بموضوع الحصالة أو صندوق التوفير لأنها في الغالب تكون خاصة بالنساء ولتشجيع الأطفال على توفير المبالغ الصغيرة بينما يكون من المحتم علينا وضع توفير أكبر للمستقبل يتجاوز فكرة الحصالة الصغيرة، لذا اعتقد أن هذه الفكرة خاصة بالأمهات أو ربات البيوت لتوفير بعض المصاريف التي تنفعهن في المناسبات».
تجربة ناجحة
والحصالة التي قد لا تكون ذات أهمية كبيرة في بعض البيوت نجدها تحقق هدفها بأفضل صوره عند إحدى الأسر المواطنة حيث تقول صديقة الحوسني: «الادخار ضرورة حياتية لكل شخص وقد علمت أطفالي أهمية الادخار لتحقيق هدف معين، وطبعا تكون الحصالة هي أهم أدوات التوفير وهي لا تفتح إلا لتحقيق الهدف المطلوب منها، وقد وعدتهم بمضاعفة أي مبلغ يدخرونه لذا صار كل منهم يحرص على توفير أكبر مبلغ ممكن لأنه يعرف أن سيحصل على مثيله.
وكنت أضع صورا إلى جانب الحصالة للأشياء التي يرغبون باقتنائها لتشجيعهم على الاستمرار في التوفير وكنت قد بدأت بفتح حساب توفير لكل منهم لذا فإن ما يحصلون عليه أضاعفه لهم وأستشيرهم حول رغبتهم بوضع مبالغهم في حساب التوفير وهكذا أصبحت فكرة التوفير لديهم فكرة ايجابية وناجحة جدا، وعملي في المجال المصرفي علمني أهمية الادخار لنا جميعا وهو أمر اعتمده في حياتي والحمد لله».
وتؤكد الحوسني أن الادخار لدى ولديها أمل وراشد المنصوري د أصبح ثقافة اقتصادية، تعرفهما قيمة المال وكيفية الاستفادة منه في الأوجه التي تعود بالنفع الكبير، بعيداً عن استشراء ثقافة الاستهلاك التي تجتاح الكثير من الصغار حتى أصبحت بالنسبة لهم نظام حياة.
تنظيم الاقتصاد
ومن الناحية الاقتصادية يجب أن لا يستهان بالادخار ولا ينظر إليه على أنه أمر صعب جداً حيث ترى أمل عبد العزيز مدير بنك دبي الإسلامي فرع أم القيوين أن الادخار أحد الأمور المهمة التي نبه إليها ديننا الحنيف في تنظيم الحياة الاقتصادية للأفراد والمجتمع بما فيه صلاحه وسعادته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ اكتسب طيباً، وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته».
وهناك نوعان من الادخار أو التوفير هما التوفير الموجب وهو في اقتطاع مبلغ من المال وحفظه بعيدا عن الأيدي للاستفادة منه وقت الحاجة، والتوفير الإيجابي، ويكون عن طريق الحد من المصروفات، ويمكن للإنسان أن يجمع بينهما ليسرع في إيجاد أمن مالي يستعين به في ترتيب أموره وتعديل أحواله المالية، وكل إنسان يستطيع أن يوفر، حتى أولئك الذين يقل دخلهم عن مصروفاتهم ؟
كما يعتقدون - فعادة يقول هؤلاء نحن نحتاج إلى زيادة الدخل لا إنقاصه أو التوفير منه، ولكن الدراسات والأبحاث تقول إن التوفير أمر ممكن بشيء من الجدية، وأول الطريق للتوفير هو معرفة أحوال الشخص المالية، عن طريق وضع ميزانية شهرية لدخل الإنسان ومصروفاته، حيث يبدأ التوفير عندما يراجع الإنسان مصروفاته، وسيجد أن هناك مصاريف لم يكن يصدق أنه صرفها بهذا المقدار لولا وجود تسجيل دقيق لمصروفه».
مبادئ التوفير
وتتحدث أمل عبد العزيز خلال دراستها التي أعدتها عن أهمية التوفير وعن عقباته قائلة: «إن أهم ما يتعارض مع مبدأ التوفير وجود مديونية مرهقة، فهي وإن كانت تمنع التبذير وتحد من المصروفات، إلا أنها تقضي على بركة الدخل، فالدين واجب الوفاء، وبعض الديون تترتب عليها إضافات وزيادات في حالة تأخيرها.
لذا فإن بداية التفكير في التوفير هي في التخلص من الديون، وخاصة الديون البنكية، فهي تمثل عبئا إضافيا على ميزانية الشخص العادي، كما يجب التخلص من ديون بطاقات الائتمان فهي من أكبر نواحي الإهدار للمال الخاص، فإن عقوبات التأخير تمثل مبالغ كبيرة جدا، بل إن التشجيع الذي تقدمه البنوك للراغبين في الحصول على بطاقة ائتمان ليس سوى رغبة البنك في زيادة دخله من الأرباح التي تعود عليه من الاستخدام ومن تأخير السداد.
ويجب على الإنسان أن يحترس من دفع مبلغ الحد الأدنى الذي يجد أن البنك يشجعه على دفعه فقط، فالبنك يطلب من صاحب الكرت أن يستدين المبلغ الباقي لشهر آخر لكي يحصل على فوائده الكبيرة، والتي لا تعادلها فائدة القروض الأخرى، بل إنها تفوق عنها بمقدار الضعف، فعقوبات التأخير تزيد عن 2 شهريا، وكل إنسان جاد في التوفير يجب عليه أن يضع هدفا أو مبلغا شهريا أو سنويا للوصول إلى هذا المبلغ، فلو أن الدخل الشهري لشخص هو 2000 أو 10000 وحدة نقدية.
واعتاد على صرفها شهريا، فعليه أن يبدأ برسم هدف سهل يمكن الوصول إليه، ويجب أن لا يكلف نفسه بهدف كبير لا يستطيع الوصول إليه أو تحقيقه فيشعر بالخيبة والفشل، وعليه أن يقرر مثلا أن يوفر 5 من دخله الشهري، ويضع هذا التوفير في مكان آمن بعيدا عن يده وبعيدا عن إغراءات الصرف.
الاستثمار في الاسهم
و تؤكد الباحثة ان أفضل مكان لنقود التوفير هو استثمارها في شراء أسهم لشركات قوية ولا خوف من نزول أسهمها، كم يجب ملاحظة أن مصاريف الهاتف تعد من المصاريف الكبيرة التي تقتطع جزءا ملحوظا من الميزانية الشهرية للشخص العادي وهي مصاريف ترفيهية يمكن للإنسان أن يحد منها، فالفواتير التي يدفعها الشخص مقابل بعض الأحاديث غير المنتجة أو غير الضرورية، يمكن أن يحل محلها وسائل اتصال أخرى مثل البريد، أو المقابلة الشخصية إذا كان الإنسان قريبا ويمكن الوصول إليه، كما أن الاختصار المفيد للمحادثات وعدم تكرار السلام والتحية والأسئلة الطويلة عن الأحوال الصحية والاجتماعية مما يقلل من المصاريف».
البداية من الوالدين
ومن الناحية النفسية يرى الدكتور خليل الكرخي اختصاصي الطب النفسي أن عملية التنظيم والادخار في الأسرة تبدأ من الوالدين لأنهما يقدمان نموذجاً يقلده الطفل حيث ينزع الطفل إلى محاكاة وتقليد والديه أو أيهما أقرب إلى نفسه في تصرفاته المنظمة أو الفوضوية.
ويضيف الكرخي: «وجود توفير مادي في كل أسرة يوفر استقراراً نفسياً لأفرادها لذا يجب أن يحرص الأهل على تحبيب فكرة التوفير للأطفال وتعليمهم الترشيد الصحيح للإنفاق، ومع أن كبح جماح الأطفال في رغبات الشراء يكون صعباً جدا لكن اعتماد نظام المكافأة في وقتها يمكن أن يكون ذا جدوى خاصة عندما يجد الطفل أنه قادر على الشراء بماله الخاص حيث يصبح أكثر حرصاً في التدقيق والمقارنة بين الأسعار وفي اختيار الضروري من احتياجاته، لذا فإن الادخار أسلوب تربوي يتحكم به الأهل عن طريق الرسائل السلوكية التي يوجهونها لأطفالهم وعن طريق اعتماد آلية معينة في تعريف الأطفال بأهمية التوفير وضرورة معرفة قيمة الإنفاق».
نصيحة
أكدت الباحثة أمل عبدالعزيز في دراستها عن التوفير وعقباته أن أولى الخطوات تبدأ برسم هدف سهل يمكن الوصول إليه، ويجب أن لا يكلف نفسه بهدف كبير لا يستطيع الوصول إليه أو تحقيقه فيشعر بالخيبة والفشل، وعليه أن يقرر مثلا أن يوفر 5 من دخله الشهري، ويضع هذا التوفير في مكان آمن بعيدا عن يده وبعيدا عن إغراءات الصرف. وأفضل مكان لنقود التوفير هو استثمارها في شراء أسهم لشركات قوية ولا خوف من نزول أسهمها.
دلال جويد


