لا أحد ينكر أن تعقيدات الحياة وزيادة المسؤوليات وتعقد البحث عن موارد الرزق، قد نال بتأثيراته جميع مفاصل الحياة الاجتماعية، وبدأت نتائجه تظهر على العلاقات الأسرية الخاصة، فأصبح الشاب، يطرق أبواب الحياة ويتوجه تلقاء المشرق والمغرب حتى يجد لنفسه مورداً يكفل له الحياة الكريمة، ولعل من أهم ما بدأ يظهر من تلك النتائج تضاؤل فكرة العائلة الممتدة، أو العائلة الكبيرة، التي يعيش تحت مظلتها الجد والجدة والأب وأولاده، وحتى أبناء العمومة بجوار بعضهم البعض.

وهذا التراجع في سطوة العائلة الكبيرة جفف ينابيع التواصل بين أفراد الأسرة حتى تحولت إلى اتصالات باردة تقتصر على المناسبات، وهذا في أحسن الأحوال. إلا أن هناك بعض المناطق لا تزال فيها الأسرة «الممتدة» تحافظ على كيانها كما هو الحال في بعض المناطق في الساحل الشرقي، وتعتبر مصدراً رئيساً للدعم والبقاء، على الرغم من التطور الكبير على الصعيد الاجتماعي، أو رغبة البعض في الحصول على فرصة العمر التي تجبرهم على الذهاب والانتقال بعيدا عن ذويهم أو حتى الاستقرار في إمارة أخرى من اجل العمل ولقمة العيش.

نواة المجتمع... وتمثل العائلة نواة المجتمع ولها دور مهم في بناء واستقرار أفراد الأسرة ونجاحهم، ومن خلال التجول في بعض المناطق الجبلية في إمارة الفجيرة يستطيع المرء أن يستشعر مدى السعادة التي يعيشها أهالي المنطقة هناك، على الرغم من الحياة المعيشية الصعبة، ويرى الابتسامة ترتسم على وجوه أصحابها مفعمين بالأمل والتفاؤل، ويملكون صفات الكرم والعطاء والصبر والتعاون والمحبة. يقول الوالد محمد راشد من منطقة دبا إنه يحب العائلة وتمثل له الطاقة والسعادة، فلحظة جلوسه بينهم يشعر بالقوة والحماس لذلك حرص على جمع شمل عائلة أبنائه معه في نفس المنزل، يضعون سفرة الطعام ويجتمعون حولها يتسامرون في الليل وعند الأزمات يتشاورون ويقفون من بعضهم البعض، مؤكدا أنها نعمة لا يشعر بها الجيل الجديد ممن يسعون إلى الأسرة البسيطة التي تتكون من الأب والأم والأبناء فقط، الذين يشعرون بالملل وعدم وجود أصوات تسليهم أو آذان تسمعهم لحظة خروج الأب للعمل والأبناء للدراسة، بل يفتقدون روح العمل والتعاون في الأفراح التي تشعرنا بالابتهاج، ففي العيد نضع يدا على يد من اجل التجهيزات وبالرغم من بساطة الأمور لدينا فإننا نستمتع في إعداد الوجبات وتحضير السفرة للضيوف وتنظيف المنزل، فهي أمور مشتركة في العائلة.

الجار يجهل جاره

أما الوالدة فاطمة احمد فهي الأخرى ترى ان العائلة الممتدة تخرجك من دائرة الشعور بالملل وللأسف نشهد اليوم العديد من العائلات يقطنون في أحياء سكنية جديدة منذ سنوات والجار يجهل جاره القريب من بيته حيث باتت الأبواب مغلقة والزيارات تقتصر على الأقرباء فقط وفي الأعياد والمناسبات بحجة الانشغال بالأبناء والعمل، فالنساء في الماضي يقمن بدور ربة المنزل من طبخ وغسيل واهتمام ورعاية الأبناء ولا ننسى جيراننا أو أقرباءنا فدائم التواصل معهم.

وتضيف المعلمة نورة عبدالله التي تسكن في حي وسط المدينة بالفجيرة أن الحياة بات رتمها روتيني ممل فالعائلة تقلصت فبات الشخص اليوم يبحث عن الهدوء والاستقرار، وبالرغم من الأشياء الترفيهية التي تتوفر من تلفاز وأسواق والعاب فالإنسان في لحظة يشعر بالحنين والرغبة لروح العائلة الممتدة التي تضفي جوا مليئا بالحيوية على المنزل، فقصص الجدة غاية في الروعة تستمتع بالاستماع لها، بل وينهل أبناؤك من قيم الأجداد الذين يمتلكون من الأخلاقيات والواجبات الكثير التي تأسس الفرد وتجعل منه شخصية قوية في المجتمع.

وترى الطالبة الجامعية علياء حسن محمد أن إيقاع المدنية الحديثة، وضغوط الحياة اليومية باتت تشغل أفراد الأسر بعضهم عن بعض، فهي تسعد دائما بزيارة منزل جدتها في نهاية الأسبوع وتحرص على الاستمتاع بأحاديثهم حيث تجتمع العائلة جميعها هناك يوم الجمعة، ولحظة رجوعها للبيت تشعر بالوحدة والملل فتبحث في قنوات التلفاز لتشاهد فيلما جديدا أو تمسك الهاتف للتحادث مع إحدى صديقاتها، اللواتي في ظل صخب الحياة يفضلن إرسال الرسائل القصيرة بدل الزيارة أو السؤال بالهاتف، وهي حياة صعبة على حد تعبيرها، لذلك تتمنى إن تزوجت أن تكون قريبة من عائلتها.

عائشة الكعبي