أكد الكاتب الإماراتي علي عبيد الهاملي رئيس اللجنة الثقافية والإعلامية لندوة الثقافة والعلوم بدبي على أن المبادرات الثقافية في الإمارات العربية المتحدة لا تقتصر على النهضة الحضارية التي أعقبت اكتشاف النفط فحسب، بل إن جذورها ضاربة في تاريخ المنطقة وأن نظرة الغير للمجتمع الإماراتي من خلال النفط والعمران لا تكمل الصورة كما يراها المواطن من الداخل، فتاريخ المنطقة يغص بالمبادرات الثقافية، التي لها أثر بالغ في الماضي والحاضر والمستقبل.
وذلك في معرض تقديمه لندوة بعنوان «المبادرات الثقافية ودورها في البناء الحضاري»، احتضنتها الندوة في أول أمس في مقرها الجديد وشارك فيها ثلاث مؤسسات ثقافية رسمية وأهلية إمارتية هي وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع التي مثلها سعيد العامري رئيس قسم التأليف والنشر في الوزارة ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم التي مثلها إبراهيم الخادم رئيس قسم النشر-قطاع الثقافة- في المؤسسة وأخيرا ندوة الثقافة العلوم بدبي التي مثلتها دكتورة سلامة الرحومي أمين لجنة المكتبة والنشر في الندوة.
وبينت الورقة الأولى التي عرض لها العامري الأهداف الإستراتيجية للوزارة للمحافظة على الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء واستثمار طاقات الشباب ورعاية المبدعين والموهوبين بما يحقق للدولة من مكانة ثقافية مميزة على المستويين العربي والدولي، مؤكدا أن تلك الأهداف لا يمكن تحقيقها بعيدا عن المبادرات الثقافية، التي تحرص الوزارة على تشجيعها وتنميتها ضمن توجهات وبرامج محددة تشمل ترجمة كتب إماراتية إلى لغات أجنبية والشراء التشجيعي للكتب ومسابقة البردة الشعرية وجائزة الإمارات التقديرية ومسابقة الشيخ محمد بن راشد الشعرية أيضا.
لكن أبرز المبادرات الثقافية التي تتصدى لها الوزارة ربما تتجلى في مشروع إبداعات شابة لما لهذه الفئة العمرية من أهمية خاصة في حاضر ومستقبل المجتمع، ويهدف هذا المشروع إلى دعم المواهب الشابة وإبرازها وتشجيع الإبداعات الأدبية الشابة وتسليط الضوء عليها وكذلك دعم المكتبة الإماراتية بسلسلة شبابية متجددة، فضلا عن إقامة شراكة بين الوزارة والمؤسسات التعليمية والتربوية والشباب المبدعين والموهوبين أنفسهم في ميداني الأدب ، الذي يشمل القصة والشعر والرواية والنقد وأدب الأطفال والبحوث الثقافية والمجالات الفنية وميدان الفنون، الذي يشمل الرسم والتصوير والتشكيل التصميم.
مبادرات ميدانية
ورقة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم قدمها إبراهيم الخادم وعرضت لما أسماه المبادرات الميدانية المباشرة التي تصدت لها هذه المؤسسة الثقافية، التي باتت تحظى باحترام وتقدير كبيرين على المستوى الوطني والعربي والعالمي في وقت قياسي قصير، في الفترة الواقعة بين أكتوبر 2007 وأبريل 2009، منوها إلى وجود فجوة معرفية بين الشرق والغرب دفعت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى إعمال فكره والخروج بحل تجسده مبادرة 2007 التي أفضت إلى إنشاء مؤسسة محمد بن راشد التنموية بموازنة قدرها 10 مليارات دولار لتنمية الثقافة في الوطن العربي في مواجهة تحديات كبرى تتصدرها أزمة البطالة وترهل المؤسسات وأزمة القراءة.
وأوضح الخادم أن عدد دور النشر في الوطن العربي يتراوح بين 3 آلاف و4 آلاف، 300 منها فقط متخصص في كتب الأطفال، ما يعكس حالة من التردي في واقع النشر في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وهنا يأتي أحد أوجه الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة الثقافية الإماراتية في استنهاض الإمكانيات الكامنة في هذا الواقع العربي من خلال المبادرات والدعم المادي عموما وبرنامجي «ترجم» و«اكتب»، حيث تقوم المؤسسة بشراء ألف نسخة من أصل 3 آلاف نسخة من كتاب تتبنى نشره على امتداد العالم العربي.
أما على صعيد نقل المعارف وواقع الترجمة فلقد حرصت المؤسسة من خلال «ترجم» على التخفيف من وطأة المشكلات التي يعاني منها هذا القطاع من خلال التركيز على نوعية العناوين المراد ترجمتها.
بلغة الأرقام، فإن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم أصدرت حتى أبريل من هذا العام 380 كتابا ، 108 منها كتب للأطفال، كما شاركت في العديد من المعارض حول العالم، فضلا عن أنها تعرض في موقعها على الانترنت مراجعات أو ملخصات لكتب وصل عددها إلى 500 مراجعة في ميادين الإدارة والعلوم والطفل والأم والتربية والآداب.
إثراء المعرفة
أما د.سلامة الرحومي، فلقد عرضت لتجربة ندوة الثقافة والعلوم ، التي أكد عبيد أنها تشكل بذاتها إحدى أهم المبادرات الثقافية في دبي وأنها جاءت بمبادرة من عدد من المثقفين قبل أكثر من 20 عاما، منوهة إلى ضرورة التعاون بين المؤسسات الثقافية الإماراتية وتكثيف المبادرات الثقافية بغية إثراء المعرفة، كما عرضت الرحومي لمسيرة الندوة خلال العقدين السابقين من الزمن مركزة على أربعة محاور اشتغلت عليها الندة ونجحت، إلى حد كبير، في تحقيق الأهداف المرجوة منها.
المحور الأول يتمثل في الإصدارات التي شملت سلسلة كتاب الندوة « 18 إصدار» وسلسلة معارف إنسانية « 13 إصدار» وإصدارات متنوعة « 22 إصدار» والمواسم الثقافية «13 إصدار»، فضلا عن إصدار البحوث الفائزة في جائزة العويس والرسائل العلمية «4080إصدار» ومجلة حروف عربية « 22 عدد»، بينما يتمثل المحور الثاني بجائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي والتي تشمل ميادين مثل الثقافة والاجتماع والاقتصاد والتشريع والطب والزراعة والرسم والنحت.
المحور الثالث تجسده جائزة الشيخ راشد للتفوق العلمي، ويتولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رعاية وتمويل الجائزة، التي تهدف إلى مكافأة طلبة الإمارات الذين يحققون مستويات ممتازة في تحصيلهم الأكاديمي. وقد نال هذه الجائزة أكثر من 2000 طالب وطالبة منذ تأسيسها، وأخيرا تأتي مكتبة ندوة الثقافية والعلوم لتجسد المحور الرابع من نشاط هذه المؤسسة الثقافية العريقة، وهي تحتوي بين جنباتها على آلاف الكتب والمخطوطات والرسائل العلمية والدوريات والمجلات، فضلا عن أنها توفر لروادها خدمة الانترنت وتضع بين أيديهم ،بذلك، تقنيات البحث المتطورة.
أسئلة الحضور والنقاش الذي أعقب عرض الأوراق الثلاث تركزت على الشأن الثقافي عموما وأزمة الكتاب والقراءة في العالم العربي خصوصا في ظل الثورة التكنولوجية الحديثة وظهور بدائل للكتاب الورقي التقليدي، الذي اعتبرت الندوة أنه لا يمكن الاستغناء عنه لجهة إيجاد نوع من العلاقة الخاصة بين القارئ والكتاب من خلال شكله وملمسه وحتى رائحته.
مما يستدعي العمل على تطويره بطريقة تكون قادرة على منافسة وسائل الاتصال الأخرى، فضلا عن ضرورة إيجاد آليات مناسبة لتسويقه والترويج له، وأكد بلال البدور المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بهذا الصدد أن الوزارة لها أكثر من سلسلة للكتب منها سلسلة ترجم، وسلسلة تراثيات.
كما تقوم بإعادة طباعة كتب الشعر التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، بالإضافة على أنها تصرف مكافأة للكتاب الشباب وتنشر كتبهم وتوزعها لتشجيعهم، بينما تقوم بتكليفات محددة لإعداد بعض الكتب، ونوه البدور إلى أن الوزارة تولي اهتماما خاصا بالتعريف بالكتب من خلال قسم خاص إعلامي فيها يقوم بهذه المهمة.
دبي- باسل أبو حمدة
