حين يمر الزمن وترحل الوجوه وتذبل أوراق الشجر؛ تشرق الشمس كل يوم لتعلن أن الحياة ماضية في دربها الذي خطته لها يد القدر، وحين نطالع ونتصفح «الصور» كل يوم فإنها تقول لنا على لسان أولئك الناس الذين رحلوا والذكريات التي مرّت «أننا كنا هنا في يومٍ ما، وهاهنا كانت لنا ذكريات، وتاريخ، ومجد، وستبقى آثارنا شاهداً حقيقياً ؟لا مزوّراً- على العصر؛ عصرنا وعصر من سيأتي بعدنا»، وفي رحلتنا اليوم مع الصور النادرة والقديمة التي التقطتها عدسات المصورين الأوروبيين في الإمارات وفي منطقة الخليج عموماً؛ سنحاول استنطاق ملامحها والشخصيات والأمكنة التي مرّت بها.
تطالعنا الصور من أرض الخير ومنبع العطاء «إماراتنا» الحبيبة حيث تظهر أقدم وأندر الصور للشيخ زايد الأول ـ الذي مرت ذكرى رحيله المئوية قبل أيام- وهو يجلس بين أبنائه وحاشيته عند قلعة الجاهلي في مدينة العين عام 1904م، لتطالعنا بعدها أقدم صورة لقصر الحصن التقطت عام 1904م، ومن صور تلك الفترة النادرة هي لقطة لحصان عربي أصيل أهداه شريف مكة لزايد الأول عام 1904م تقديراً لمكانته الكبيرة في نفوس أهل الجزيرة والخليج. وتأتي فترة الأربعينات من القرن الماضي لتوثق الحب بين «المغفور له بإذن الله» الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمشاركته لأبناء شعبه في العين أفراح العيد، ومن الصور الطريفة والنادرة تلك الصورة التي التقطت عام 1936م لسيارة إنجليزية الصنع وقد غاصت في «سبخة» الرمال في مدخل أبوظبي، ومناطق العبرة القائمة لغاية اليوم في مدينة دبي وصورتها عام 1958م، وعشرات من الصور التي تحكي للأجيال صبر الآباء والأجداد وعزمهم الذي صنع المستحيل بإقامة دولة «الإمارات العربية المتحدة» التي تعتبر بحق معجزة إنسانية لا يناظرها تطور في التاريخ الحديث.
توثيق حياة... ولقد فتنت صحراء الجزيرة العربية وسواحل الخليج العديد من المصورين الغربيين الذين انطلقوا لتوثيق حياة الناس في هذه البقعة المهمة في تاريخ الإنسانية؛ حيث مهد الأنبياء الأول، وحاضنة الحضارات القديمة، وليالي الشرق التي شغلت المخيلة الأوروبية لسنين طويلة، وأهم من كل ذلك؛ عطر الرسالة الإنسانية الخاتمة المتمثلة بأمكنة الوحي الأولى وخطوات الرسول الأعظم وهي تجوب صحراء العرب لنشر الخير، ومن تلك البقاع الطاهرة التي تحتويها «المملكة العربية السعودية» تظهر إحدى أقدم الصور وأندرها لمكة المكرمة وتظهر فيها الكعبة المشرفة عام 1890م وقد التقطها المصور الفوتوغرافي الألماني هرمان بوركاردت الذي جاب المشرق العربي من أقصاه إلى أقصاه طيلة 11 عاماً موثقاً بالصور أنماط الحياة والأمكنة والشخصيات في الخليج والجزيرة العربية، بينما تظهر صورة أخرى وصول محمل «كسوة الكعبة المشرفة» التي كان يتشرف المصريون لمئات السنين بإنجازها في قريتين تابعتين لمحافظة القليوبية هما «بيسوس» و«أبو الغيث» وتظهر في الصورة الملتقطة عام 1904م الحفاوة البالغة التي يستقبل بها هذا «المحمل».
تظهر صور «بوركاردت» مسجد الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله وسلم» وما كان يعرف بجنينة «السيدة فاطمة الزهراء» في بداية القرن الماضي، وتظهر القبة الخضراء لخير البرية وما يجاورها من قباب تخص بيوت «أمهات المؤمنين» وأمكنة تغيرت ملامحها بعد ذلك، كما تظهر الصور بعض الشخصيات التي كان لها بالغ الأثر في أرض الرسالة، ومن أبرزها صورة «عون الرفيق باشا» الذي كان شريف مكة وقد التقطت الصورة عام 1885م وصوراً لمؤسس الدولة السعودية الملك عبد العزيز آل سعود وهو يجالس أمير البحرين آنذاك سلمان خليفة.
دلمون.. حضارة وتاريخ
من أرض الحجاز الطاهرة تنقلنا عدسات المصورين الأوروبيين إلى دلمون الحضارة والتاريخ في «مملكة البحرين» حيث تظهر صورة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة مع أبنائه عام 1920م، ومن أبرز الصور من البحرين تأتي اجتماعات «جاك كارتييه» الشخصية الغربية الشهيرة مع تجار اللؤلؤ في البحرين عام 1912م ؟ أي قبيل اكتشاف اللؤلؤ الصناعي من قبل اليابانيين ومعاناة أهل الخليج الاقتصادية بسبب ذلك- كما ترصد عدسة المصورين الأوروبيين عملية نقل الماء من الآبار والعيون القليلة العذبة في «السترة» عام 1948م وكيف كانت حالة الضنك والعوز التي عانتها المنطقة لسنوات طويلة.
إلى أقصى الشمال من «جزيرة العرب» تطالعك بوابات مدينة الكويت الأربعة التي كانت تميزها عن بقية مدن الخليج.
حيث صور: سوق الفحم 1903م، مدربو الصقور 1904، أول منظر جوي لمدينة الكويت عام 1950م، وصورة الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت عام 1903م، وإلى شقيقتها قطر ترى الغرائبية والفرادة في مسجدها القديم عند ميناء الدوحة والمسمى «مسجد الأربعين قبة» الذي التقطت صوره عام 1904م وتظهر الحركة التجارية الكبيرة قربه من خلال السفن والمراكب الراسية.
وهناك صورة أخرى تدلل على اهتمام عرب الجزيرة والخليج بنوقهم وإبلهم باعتبارها الثروة والرفيق حيث نرى في صورة ملتقطة عام 1904م صورة لناقة وهي تأكل «البلح الممزوج بالسمك المقدد» لمنحها القوة، ومن الصورة النادرة هي صورة ذلك الفندق الوحيد في الدوحة ـ العامرة اليوم بمئات الفنادق والبنايات الفخمة.
وجاءت لوحة الفندق كالتالي «فندق ومطعم بسم الله» وقد التقطت الصورة عام 1958م، وفي ذات الفترة يظهر أمير قطر الراحل حمد بن جاسم آل ثاني مع أحد أبنائه في صورة أكثر من معبرة.
لم تكُ صور منطقة الجزيرة والخليج جميعها بذات الطبيعة المعوزة التي تظهر في بعض الأمكنة؛ فصور سلطنة عمان التي تظهر ميناء مسقط المؤسس قبل ما يقارب 900 سنة تعطيك لمحة عن طبيعة الحياة الميسرة التي كان يعيشها العمانيون الذين عرفوا بأنهم يجوبون الآفاق تجارة وثقافة وعلماً وقد التقطت الصور ما بين أعوام 1920م-1950م، ويظهر قربها صورة أول محطة تلغراف في المنطقة قرب مسندم- مضيق هرمز 1927م، فيما تظهر صورة أخرى ميناء «مطرح» عام 1904م وتتبين فيه طبيعة التنظيم والرخاء التجاري الذي كانت تعيشه تلك المنطقة، أما صور الشخصيات فهي تتحدث عن نفسها عبر لقطات نادرة للسلطان السيد فيصل بن تركي مع نجله تيمور بن فيصل في جلسات غاية في الأناقة والفخامة.
البلاد السعيدة
أما بلاد العرب السعيدة «اليمن» فهي تتحدى في ذلك الوقت أجمل المدن الأوروبية عبر بناياتها المكونة من عدة طبقات والتي تميز أبنية صنعاء وعدن، وقد التقط الصور الرحالة «أ.برتولدي» عام 1907م، في مدن جبلة وعدن وضواحي صنعاء، كما يظهر التآلف والتسامح الذي امتاز به أهل اليمن آنذاك عبر صورة ليهود يمنيين وهم يتذاكرون التوراة في أحد المعابد ولا تميز في ملامحهم ولا أزيائهم بينهم وبين المسلمين وقد التقطت الصورة في أحد «المعابد» الصنعانية عام 1906م.
100 سنة
جميع حكايات هذه الصور النادرة يمكن الاستمتاع والتمعن بأجوائها القديمة التي تحكي تاريخ العرب في الخليج والجزيرة العربية؛ من خلال معرض الصور خلال 100 عام المقام بجامعة زايد في أبوظبي ضمن فعاليات الملتقى الإماراتي-الفرنسي الذي افتتحه الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وقد أشرف عليها الفرنسي «باسكال جيويل» الذي بذل جهداً كبيراً بتجميعها.
محمد الأنصاري



