إذا كان الفرد في الدول الغربية، افتراضا يمتلك وظيفة بعد إنهائه للدراسة الجامعية في عمر الخامسة والعشرين، ويتملك مسكنا بعد خمس أو عشر سنوات (يشتريه أو يُعان عليه من قبل جمعية أو مؤسسة قطاع عام) ثم يفكر بالزواج وإنجاب الأطفال بعد فترة من ذلك، لنقل خمس سنوات أخرى، فمعنى ذلك أنه في فترة لا تتعدى الخمس عشرة سنة، أصبح صاحب وظيفة ومسكن ورب أسرة، أي أنه الآن في عمر الأربعين ولم يتبق له سوى عشر سنوات أو أكثر قليلا، ويتسلم رسالة تقاعده من العمل، تقول له بأقصى درجات الدفء، إنك بلغت الخمسين الآن (ودخلت مرحلة شباب الشيخوخة).

وعندها يستطيع الفرد التفكير في السفر إلى أصقاع الأرض، ليشاهد ويستكشف ويتمتع بكل ما أوتي من قوة صحية ومقدرة مالية.لكن كلاما كهذا قد ينظر إليه البعض على أنه مثالي ويصعب تطبيقه؛ فقوائم البطالة في ازدياد؛ فبحسب منظمة العمل الدولية، وصلت نسبة البطالة في العالم العام 2003 إلى 2 ,6%. وفرص العمل في انحسار، والركود يضرب أفضل البلدان وأقواها. فيما قد يراه آخرون أنه واقعي وقائم على الأرض في أكثر من بلد لديه سياسات اقتصادية رشيدة، وعلى علاقة سيئة بمغامرات السياسة الدولية.

لكن مهما يكن هنالك من آراء، يعتبر الاختلاف فيها صحيا، فإن الأمر النموذجي والطبيعي والمعقول، هو أن يحصل الفرد على ضرورياته الحياتية التي ذكرت في مثل هذه المرحلة العمرية نفسها (الثلاثين ـ الأربعين) وليس في غيرها، وإلا كانت حياته صعبة لا تحتمل، و(عيشته) ضنكا. وأمر كهذا ممكن وسبق أن حدث في بعض البلدان، قبل أن تتغوَّل العولمة وتفقد إنسانيتها، خصوصا في بلدان تقوم على المؤسسات وتحترم فيها الدساتير والقوانين.

على أي حال، فإن الأربعين والخمسين، وحتى الستين وأكثر، ستكون مقبولة لدى المواطن العربي، لو أنها ستنتهي بالتقاعد والراحة. لكن على من تقرأ مزاميرك يا موسى؛ فقد وصلت نسبة العاطلين العرب إلى 2, 12%، بحسب التقرير نفسه.

وهي تتزايد بمعدل 3%، وتنبأ التقرير وصول عدد العاطلين العرب العام 2010 إلى 25 مليونا. القصة غير المذكورة أنهم يهربون من وظائفهم طلبا للنجاة بما تبقى لهم من عمر. أصبح الموت مختلفا في مرحلتنا التاريخية الحاضرة، فبدلا من أن يكون الطرد المرسل إلى الآخرة، عنوانه المنزل المقبرة، أصبح عنوانه اليوم المكتب المقبرة.. كم هو صعب ألا يموت الإنسان بين أفراد أسرته!

أحمد عبدالله ـ الإمارات